هل المهدي عليه السّلام: محمّد بن عبدالله أم محمّد بن الحسن العسكري ؟

هل المهدي عليه السّلام: محمّد بن عبدالله أم محمّد بن الحسن العسكري ؟

 سؤال: عيّنت بعض الروايات الواردة عن طريق أهل السنّة اسمَ والد الإمام المهدي المنتظر عليه السّلام بـ « عبدالله »، ممّا دفع البعض إلى الاعتقاد ـ خطأً ـ بأنّ اسم المهدي الموعود عليه السّلانم « محمّد بن عبدالله »، وقيل إنّه لم يولد بعد، وإنّه إنّما سيولد قُبيل ظهوره في آخر الزمان، فما صحّة هذه الروايات ؟
جواب: لقد نقل بعض محدّثي أهل السنّة حديثاً عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال « المهدي يواطئ اسمُه اسمي، واسمُ أبيه اسمَ أبي »، وفي رجلاً ـ وفي بعضها «لا تذهب الدنيا ـ أو: لا تقوم الساعة ـ حتّى يبعث الله رجلاً ـ وفي بعضها: حتّى يملك الناسَ رجل ـ من أهل بيتي يواطئ اسمُه اسمي، واسمُ أبيه اسمَ أبي»(1).
ونلاحظ في هذا المجال عدّة أمور جديرة بالتأمّل:
1 ـ روى هذا الحديثَ بعض محدّثي أهل السنّة عن ابن مسعود نفسه، كما في مسند أحمد وفي عدّة مواضع، وفيه: ( واسمه اسمي ) فقط(2).
2 ـ روى البعض الآخر من محدّثي أهل السنّة ـ كالترمذي في سُننه ـ هذا الحديث عن ابن مسعود، وفيه ( واسمه اسمي ) فقط، ثمّ قال الترمذي: وفي الباب: عن عليّ، وأبي سعيد، وأم سلمة، وأبي هريرة، وهذا حديث حسن صحيح(3). فلهذا الحديث بهذا اللفظ أسانيد أخرى ترجع إلى كلّ هؤلاء الصحابة ـ غير ابن مسعود ـ تتفّق في خلوّها من زيادة ( واسم أبيه اسم أبي ).
وقد حذا أكثر الحفّاظ حذو الترمذي، فقد أخرج الطَّبراني هذا الحديث في معجمه الكبير عن ابن مسعود من طرق كثيرة أخرى بلفظ « اسمه اسمي »(4). وأخرج الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» الحديث المذكور عن ابن مسعود بلفظ « يواطى اسمه اسمي » فقط، ثمّ قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه(5)، وتابعه على ذلك الذهبي في تلخيص المستدرك، ورواه البَغَوي في « مصابيح السنّة » عن ابن مسعود دون هذه الزيادة، وصرّح بحُسن الحديث(6).
وصرّح المقدسي الشافعي بأنّ أئمّة الحديث لم يرووا تلك الزيادة، فقال ـ بعد أن أورد الحديث عن ابن مسعود بدون الزيادة ـ: أخرجه جماعة من أئمّة الحديث في كتبهم، منهم: الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعه، والإمام أبو داود في سننه، والحافظ أبو بكر البيهقي، والشيخ أبو عمرو الداني، كلّهم هكذا ». أي بدون زيادة ( واسم أبيه اسم أبي ) ثمّ أخرج المقدسي الشافعي جملة من الأحاديث المؤيّدة له، مُشيراً إلى من أخرجها من الأئمة الحفّاظ كالطبراني، وأحمد بن حنبل، والترمذي، وأبي داود، والبيهقي، عن عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عمر، وحذيفة(7).
ولا يمكن تعقّل اتّفاق هؤلاء الأئمّة الحفّاظ على إسقاط هذه الزيادة (واسم أبيه اسم أبي) لو كانت مرويّة حقّاً عن ابن مسعود.
3 ـ استقصى الحافظ أبو نعيم الاصفهاني ( ت 430 هـ ) في كتابه «مناقب المهدي» طرق هذا الحديث عن عاصم بن أبي النجود، عن ابن مسعود، حتّى أوصلها إلى 31 طريقاً، ولم يُرْوَ في واحد منها عبارة ( واسم أبيه اسم أبي )، بل اتفّقت كلّها على رواية ( اسمه اسمي ) فقط. وقد نقل نصّ كلامه الكنجي الشافعي ( ت 638 هـ ) في كتابه « البيان في أخبار صاحب الزمان عليه السّلام » ثمّ عقّب على ذلك بقوله:
ورواه غير عاصم، عن زَرّ ـ وهو عمرو بن حرّة ـ عن ابن مسعود، كلّ هؤلاء روَوا ( اسمه اسمي )، إلاّ ما كان من عُبيد الله بن موسى، عن زائدة، عن عاصم عن ابن مسعود، فإنّه قال فيه « واسم أبيه اسم أبي » ولا يرتاب اللبيب بأنّ هذه الزيادة لا اعتبار لها مع اجتماع هؤلاء الأئمّة على خلافها(8).
4 ـ لو راجعنا كتاب « مقاتل الطالبيّين » لأبي الفرج الاصفهاني، لرأيناه يروي أنّ أبا جعفر المنصور ـ واسمه عبدالله ـ كان يدعو لابنه المهدي ويقول بأنّه المهدي الذي جاءت به الروايات! ثمّ لمّا استتبّ له الأمر نفى أن يكون ابنه هو المهديَّ المنتظر(9)، إذ لم تَعُد له حاجة لتكرار هذه المزاعم الواهية.
ونلاحظ في هذا المجال أن هناك عدّة روايات مختلَقة اختلقها ـ في المقابل ـ دعاة المهدوية لمحمّد بن عبدالله بن الحسن المثنّى، فزعموا أنّ في لسان المهدي رتّة(10)، وأنّه إذا أبطأ عليه الكلام ضرب بيده على فخذه، وأنّ أوّل حرف في اسم أمّه هاء(11) ( اسم أم محمد بن عبدالله: هند )، وأمثال هذه الأحاديث الموضوعة لأهداف سياسيّة.
ويتّضح ممّا مرّ أن هذه الزيادة: ( واسم أبيه اسم أبي ) قد زيدت على حديث ابن مسعود: إمّا من قِبَل أتباع الحسينين وأنصارهم ترويجاً لمهدويّة محمّد بن عبدالله بن الحسن المثنّى، أو من قِبَل أتباع العبّاسيين ترويجاً لمهدويّة محمد بن عبدالله المنصور الدوانيقي العبّاسي. ولهذا رأينا أن أمثال أحمد بن حنبل ـ مع ضبطه وإتقانه ـ يروي هذا الحديث في مسنده في عدّة مواضع بلفظ ( واسمه اسمي ) دون الزيادة المختلفة(12)، ورأينا بعض علماء السنّة ـ كالأستاذ سعد محمد حسن ـ يصرّح بأنّ أحاديث ( اسم أبيه اسم أبي ) مُختلقة(13).

----------
1 ـ المصنَّف، لابن أبي شيبة 198:15، حديث 19493. الفتن، لنعيم بن حماد 367:1، حديث 1076 و 1077. سنن أبي عمرو الداني 94 ـ 95. تاريخ بغداد 370:1.
2 ـ مسند أحمد 376:1 و 377 و 430 و 448.
3 ـ سنن الترمذي 505:4، حديث 2230.
4 ـ المعجم الكبير، للطبراني، حديث 10214 و 10215 و 10217 و 10218 و 10219 و 10220 و 10221 و 10223 و 10225 و 10226 و 10227 و 10229 و 10230.
5 ـ المستدرك على الصحيحين، للحاكم 442:4.
6 ـ مصابيح السنّة 492، حديث 4210.
7 ـ عقد الدرر، للمقدسي الشافعي 51، الباب 2.
8 ـ البيان في أخبار صاحب الزمان عليه السّلام، للگنجي الشافعي 93 ـ 94، الباب 1.
9 ـ مقاتل الطالبيين 167.
10 ـ مقاتل الطالبيين 164.
11 ـ مقاتل الطالبيين 162.
12 ـ انظر الهامش ـ الرقم 2.
13 ـ المهديّة في الإسلام، لسعد محمد حسن 69 ـ نقلاً عن المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي 73.

نظرات

ارسال نظر

* فیلدهای ستاره دار حتما بایستی مقدار داشته باشند.