الامام الحجة ( ع ) والحكمة من الغيبة

الامام الحجة ( ع ) والحكمة من الغيبة

مناظرة امام الصادق عليه السلام مع عبدالله بن الفضل الهاشمي في الحكمة من غيبة الإمام المهدي عليه السلام
روي عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال : سمعت الصادق عليه السلام يقول : إنّ لصاحب هذا الاَمر غيبة لا بدّ منها ، يرتاب فيها كلّ مبطل .
قلت له : ولِمَ جعلت فداك ؟
قال : لاَمر لا يؤذن لي في كشفه لكم .
قلت : فما وجه الحكمة في غيبته ؟
قال : وجه الحكمة في غيبته ، وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله (1) تعالى ذكره ، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره(2) كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر عليه السلام ، من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت افتراقهما .
يا بن الفضل ! إنَّ هذا الاَمر أمر من الله ، وسرّ من سرّ الله ، وغيب من غيب الله ، ومتى علمنا أنّه عزّ وجلّ حكيم صدقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة ، وإن كان وجهها غير منكشف (3).


____________

(1) راجع : كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج 1 ص 127 ـ 153 (في الحكمة من غيبات بعض الاَنبياء عليهم السلام) .
(2) إنّ مفاد هذه الرواية الشريفة هو عدم معرفة وجه الحكمة من غيبته الشريفة حتى يظهر عجل الله فرجه الشريف ، فحينئذٍ يتبيّن للناس وجه الحكمة من غيبته ، إلاّ أن هناك مجموعة من الروايات الشريفة والتي ذكرها الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كمال الدين : ج 1 ص 479ـ 482 (ب علة الغيبة) قد أفصحت عن بعض أوجه الحكمة من غيبته : وهي على طوائف خمس على حسب ما تتبعته عاجلاً وهي :
الطائفة الاُولى : كرواية علي بن الحسن بن علي بن فضال ، عن أبيه ، عن أبي الحسن بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال : كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث (الرابع ن ل) من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه ، قلت له : ولِمَ ذاك يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال : لاَنّ إمامهم يغيب عنهم ، فقلت: ولِمَ ؟ قال : لئلا يكون لاَحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف .
الطائفة الثانية (وهي رواية واحدة) : ما روي عن حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إنَّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها ، فقلت له : يا بن رسول الله ولِمَ ذلك ؟ قال : لاَنّ الله عزّ وجلّ أبى إلاّ أن تجري فيه سنن الاَنبياء عليهم السلام في غيباتهم ، وإنّه لا بدّ له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم ، قال الله تعالى : (لتركبنَّ طبقاً عن طبق) ـ الانشقاق :9ـ أي سنن من كان قبلكم .
الطائفة الثالثة : كرواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : للقائم غيبة قبل قيامه ، قلت : ولِمَ؟ قال : يخاف على نفسه الذّبح .
الطائفة الرابعة : (وهي التي ذكرها أيضاً الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كمال الدين : ج2 ص 641 ب 54) عن إبراهيم الكرخي قال : قلت لاَبي عبد الله عليه السلام : أصلحك الله ألم يكن عليّ عليه السلام قوياً في دين الله عزّ وجلّ ؟ قال : بلى . قال : فكيف ظهر عليه القوم ، وكيف لم يدفعهم وما يمنعه من ذلك ؟ قال : أيةً في كتاب الله عز وجل منعته قال : قلت وأيّة آية هي؟ قال: قوله عزّ وجلّ : ( لو تزيّلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً ) إنّه كان لله عزّ وجلّ ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين ، فلم يكن عليّ عليه السلام ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع فلما خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله ، وكذلك قائمنا أهل البيت عليهم السلام لن يظهر أبداً حتى تظهر ودائع الله عزّ وجلّ فإذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله .
الطائفة الخامسة : وهي ما روي عن أبي جعفر عليهم السلام محمد بن علي أنه قال : إذا اجتمع للاِمام عدة أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر وجب عليه القيام والتغيير . (بحار الاَنوار : ج 100 ص49 ح 18) .
فمفاد هذه الطوائف الخمس هي أن أوجه الحكمة خمسة أمور في عدم ظهوره حتى يأذن الله له بالخروج صلوات الله عليه وهي :
1 ـ لئلا يكون لاَحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف .
2 ـ لكي تجري فيه سنن الاَنبياء السابقين في غيباتهم واستيفائها .
3 ـ انّه عليه السلام يخاف على نفسه الذبح لو خرج قبل أوان خروجه المناسب .
4 ـ انّه لن يظهر عليه السلام حتى تظهر ودائع الله (كما في رواية أخرى : ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين) .
5 ـ إنه عليه السلام لا يظر حتى تتكامل عدة أصحابه عدة أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً ، وهم إصحاب الألولية ، وهم حكام الله في أرضه على خلقه ... الخ كما في رواية المفضل بن عمر عن الإمام الصادق عليه السلام ( بحار الأنوار : ج 52 ص 326 ح 42 ) .
فما هو وجه الجمع بين رواية الهاشمي التي مفادها عدم معرفة الحكمة من غيبة حتى يظهر ، وبين تلك الطوائف الخمس في بيان الحكمة من الغيبة ؟ نقول : لعل الرواية الأولى ناظرة إلى عدم انكشاف تمام العلة من غيبة لا بعضها ، ولا مانع من بيان بعض وجوه الحكمة كما في الطوائف الخمس ، وتبقى الحكمة الأصل خافية علينا في غيبة حتى يظهر عجل الله فرجه ، فلا تنافي بين الروايات والله العالم .
(4)الاِحتجاج للطبرسي : ج 2 ص 376 ، كمال الدين وتمام النعمة : ج 2 ص 482 ح 11 ، حلية الاَبرار : ج 2 ص 589 ـ 590 .

المُناظرة الحادية والستّون

مناظرة الشيخ المفيد رحمه الله مع رجل من المعتزلة في علة غيبة الإمام المهدي عليه السلام


قال الشريف المرتضى عليه الرحمة : ومن حكايات الشيخ أدام الله عزه وكلامه في الغَيبَة ـ قال الشيخ أيده الله : قال لي شيخ من حذاق المعتزلة وأهل التدين بمذهبه منهم : أُريد أن أسألك عن مسألة كانت خطرت ببالي ، وسألت عنها جماعة ممن لقيت من متكلمي الاِماميه بخراسان وفارس والعراق فلم يجيبوا فيها بجواب مقنع !
فقلت : سل على اسم الله إن شئت .
فقال : خبرني عن الاِمام الغائب عندكم أهو في تقية منك ؟ كما هو في تقية من أعدائه ؟ أم هو في تقية من أعدائه خاصة ؟
فقلت له : الاِمام عندي في تقية من أعدائه لا محالة ، وهو أيضاً في تقية من كثير من الجاهلين به ، ممن لا يعرفه ولا سمع به فيعاديه أو يواليه ، هذا على غالب الظن والعرف ، ولست أنكر أن يكون في تقية من جماعة ممن يعتقد إمامته الآن ، فأما أنا فإنه لا تقية عليه مني بعد معرفته بي على حقيقة المعرفة والحمدلله.
فقال : هذا و الله جواب طريف لم أسمعه من أحد قبلك ، فأحب أن تفصل لي وجوهه وكيف صار في تقية ممن لا يعرفه ، وفي تقية من جماعة تعتقد إمامته الآن، وليس هو في تقية منك إذ عرفك ؟
فقلت له : أما تقيته من أعدائه فلا حاجة لي إلى الكلام فيها لظهور ذلك ، وأما تقيته ممن لا يعرفه فإنما قلت ذلك على غالب الظن وظاهر الحال ، وذلك أنه ليس يبعد أن لو ظهر لهم لكانوا بين أمور :
إما أن يسفكوا دمه بأنفسهم لينالوا بذلك المنزلة عند المتغلب على الزمان ويحوزوا به المال والرئاسة ، أو يسعوا به إلى من يحل هذا الفعل به ، أو يقبضوا عليه ويسلموه إليه ، فيكون في ذلك عطبه وفي عطبه وهلاكه عظيم الفساد ، وإنما غلب في الظن ذلك لاَن الجاهل لحقه ليس يكون معه المعرفة التي تمنعه من السعي على دمه ، ولا يعتقد في الكف عنه ما يعتقده المتدين بولايته ، وهو يرى الدنيا مقبلة إلى من أوقع الضرر به ، فلم يبعد منه ما وصفناه بل قرب وبعد منه خلافه .
وأما وجه تقيته من بعض من يعتقد إمامته الآن ، فإن المعتقدين بذلك ليسوا بمعصومين من الغلط ولا مأموناً عليهم الخطأ ، بل ليس مأموناً عليهم العناد والارتداد ، فلا ينكر أن يكون المعلوم منهم أنه لو ظهر لهم الاِمام عليه السلام أو عرفوا مكانه أن تدعوهم دواعي الشيطان إلى الاِغراء به والسعي عليه والاِخبار بمكانه، طمعاً في العاجلة ورغبة فيها وإيثاراً لها على الآجلة ، كما دعت دواعي الشيطان أمم الاَنبياء إلى الارتداد عن شرائعهم حتى غيَّرها جماعة منهم وبدَّلها أكثرهم، كما عاند قوم موسى نبيهم وإمامهم هارون وارتدرا عن شرعه الذي جاء به هو وأخوه موسى عليهما السلام واتبعوا السامري ، فلم يلتفتوا إلى أمر هارون ونهيه ، ولا فكَّروا في وعظه وزجره ، وإذا كان ذلك على ما وصفت لم ينكر أن تكون هذه حال جماعة من منتحلي الحق في هذا الزمان لارتفاع العصمة عنهم .
وأما حكمي لنفسي فإنه ليس يخصني ، لاَنه يعم كل من شاركني في المعنى الذي من أجله حكمت ، وإنما خصصت نفسي بالذكر لاَنني لا أعرف غيري عيناً على اليقين مشاركاً لي في الباطن فادخله معي في الذكر ، والمعنى الذي من أجله نفيت أن يكون صاحب الاَمر عليه السلام متقياً مني عند المعرفة بحالي لاَنني أعلم أنني عارف بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وآله وبالاَئمة أجمعين عليهم السلام ، وهذه المعرفة تمنعني من ايقاع كفر غير مغفور والسعي على دم الاِمام عليه السلام ، بل إخافته عندي كفر غير مغفور ، وإذا كنت على ثقة تعصمني من ذلك إلى ما أذهب إليه في الموافاة فقد أمنت أن يكون الاِمام في تقية مني أو ممن شاركني فيما وصفت من إخواني ، وإذا تحقق أمورنا على ما ذكرت فلا يكون في تقية مني بعد معرفته أني على حقيقة المعرفة ، إذ التقية إنما هي الخوف على نفس والاخافة للاِمام لا تقع من عارف بالله عز وجل على ما قدمت
فقال : فكأنك إنما جوزت تقية الاِمام من أهل النفاق من الشيعة ، فأما المعتقدون للتشيع ظاهراً وباطناً فحالهم كحالك ، وهذا يؤدي إلى المناقضة لاَن المنافق ليس بمعتقد للتشيع في الحقيقة ، وأنت قد أجزت ذلك على بعض الشيعة في الحقيقة فكيف يكون هذا ؟
فقلت له : ليس الاَمر كما ظننت ، وذلك أن جماعة من معتقدي التشيع عندي غير عارفين في الحقيقة ، وإنما يعتقدون الديانة على ظاهر القول بالتقليد والاسترسال دون النظر في الاَدلة والعمل على الحجة ، ومن كان بهذه المنزلة لم يحصل له الثواب الدائم المستحق للمعرفة المانع بدلالة الخبر به عن إيقاع كفر من صاحبه فيستحق به الخلود في الجحيم فتأمل ذلك .
قال : فقد اعترض الآن ها هنا سؤال في غير الغيبة احتاج إلى معرفة جوابك عنه ثم أرجع إلى المسألة في الغيبة ، خبرني عن هؤلاء المقلدين من الشيعة الاِمامية أنهم كفار يستحقون الخلود بالنار ؟ فإن قلت ذلك فليس في الجنة من الشيعة الاِمامية إذاً غيرك لاَنا لا نعرف أحداً منهم على تحقيق النظر سواك ، بل إن كان فيهم فلعلهم لا يكونون عشرين نفساً في الدنيا كلها ، وهذا ما أظنك تذهب إليه، وإن قلت : إنهم ليسوا بكفار وهم يعتقدون التشيع ظاهراً وباطناً فهم مثلك ، وهذا مبطل لما قدمت ؟!
فقلت له : لست أقول إن جميع المقلدة كفار ، لاَن فيهم جماعة لم يُكلَّفوا المعرفة ولا النظر في الاَدلة ، لنقصان عقولهم عن الحد الذي به يجب تكليف ذلك، وإن كانوا مكلفين عندي للقول والعمل ،وهذا مذهبي في جماعة من أهل السواد والنواحي الغامضة والبوادي والاَعراب والعجم والعامة ، فهؤلاء إذا قالوا وعملوا كان ثوابهم على ذلك كعوض الاَطفال والبهائم والمجانين ، وكان ما يقع منهم من عصيان يستحقون عليه العقاب في الدنيا وفي يوم المآب طول زمان الحساب ، أو في النار أحقاباً ، ثم يخرجون إلى محل الثواب ، وجماعة من المقلدة عندي كفار لاَن فيهم من القوة على الاستدلال ما يصلون به إلى المعارف فإذا انصرفوا عن النظر في طرقها فقد استحقوا الخلود في النار .
فأما قولك : إنه ليس في الدنيا أحد من الشيعة ينظر حق النظر إلا عشرون نفساً أو نحوهم ، فإنه لو كنت صادقاً في هذا المقال ما منع أن يكون جمهور الشيعة عارفين ، لاَن طرق المعرفة قريبة يصل إليها كلُّ من استعمل عقله وإن لم يكن يتمكن من العبارة عن ذلك ويسهل عليه الجدل ويكون من أهل التحقيق في النظر، وليس عدم الحذق في الجدل وإحاطة العلم بحدوده ، والمعرفة بغوامض الكلام ودقيقه ، ولطيف القول في المسألة دليلاً على الجهل بالله عز وجل .
فقال : ليس أرى أن أصل معك الكلام في هذا الباب الآن ، لاَن الغرض هو القول في الغيبة ، ولكن لما تعلق بمذهب غريب أحببت أن أقف عليه وأنا أعود إلى مسألتي الاَولى وأكلمك في هذاالمذهب بعد هذا يوماً آخر ، أخبرني الآن إذا لم يكن الاِمام في تقية منك فما باله لا يظهر لك فيعرفك نفسه بالمشاهدة ، ويريك معجزة ، ويبين لك كثيراً من المشكلات ، ويؤنسك بقربه ويعظم قدرك بقصده ويشرفك بمكانه ، إذا كان قد أمن منك الاِغراء به وتيقن ولايتك له ظاهرة وباطنة؟
فقلت له : أول ما في هذا الباب أنني لا أقول لك إن الاِمام عليه السلام يعلم السرائر وإنّه مما لا يخفى عليه الضمائر ، فتكون قد أخذت رهني، أنّه يعلم من ما اعرفه من نفسي، وإذا لم يكن ذلك مذهبي، وكنت أقول إنّه يعلم الظواهر كما يعلم البشر، وإن علم باطناً فبإعلام الله عزّ وجلّ له خاصة على لسان نبيه صلى الله عليه وآله بما أودعه آباؤه عليهم السلام من النصوص على ذلك أو بالمنام الذي يصدق ولا يخلف أبداً، أو لسبب أذكره غير هذا، فقد سقط سؤالك من أصله لاَن الاِمام إذا فقد علم ذلك من جهة الله عزّ وجلّ أجاز عليَّ ما يجيزه على غيري ممن ذكرت ، فأوجبت الحكمة تقيته مني ـ وإنّما تقيته مني ـ على الشـرط الذي ذكرت آنفاً ، ولم أقطع على حصوله لا محالة، ولم أقل إن الله عزّ وجلّ قد اطلع الاِمام على باطني وعرّفه حقيقة حالي قطعاً فتفرع الكلام عليه ، على أنني لو قطعت على ذلك لكان لترك ظهوره لي وتعرفه إليَّ وجه واضح غيرالتقية .
وهو أنه عليه السلام قد علم أنني وجميع من شاركني في المعرفة لا يزول عن معرفته ، ولا يرجع عن اعتقاد إمامته ، ولا يرتاب في أمره ما دام غائباً وعلم أن اعتقادنا ذلك من جهة الاستدلال، ومع عدم ظهوره لحواسنا أصلح لنا في تعاظم الثواب وعلو المنزلة باكتساب الاَعمال، إذ كان ما يقع من العمل بالمشاق الشديدة أعظم ثواباً مما يقع بالسهولة مع الراحة ، فلما علم عليه السلام ذلك من حالنا وجب عليه الاستتار عنا ، لنصل إلى معرفته وطاعته على حد يكسبنا من المثوبة أكثر مما يكسبنا العلم به والطاعة له مع المشاهدة وارتفاع الشبهة التي تكون في حالة الغيبة والخواطر، وهذا ضد ما ظننت ، مع أن أصلك في اللطف يؤيد ما ذكرناه ويوجب ذلك ، وإن علم أن الكفر يكون مع الغيبة والاِيمان مع الظهور ، لاَنك تقول: إنّه لا يجب على الله تعالى فعل اللطف الذي يعلم أن العبد إن فعل الطاعة مع عدمه كانت أشرف منها إذا فعلها معه، فكذلك يمنع الاِمام من الظهور إذا علم أن الطاعة للاِمام تكون غيبته أشرف منها عند ظهوره ، وليس يكفر القوم به في كلا الحالين، وهذا بيّن لا إشكال فيه، فلما ورد عليه الجواب سكت هنيئة.
ثم قال : هذا لعمري جواب يستمر على الاُصول التي ذكرتها والحق أولى ما استعمل.
فقلت له : أنا أجيبك بعد هذا الجواب بجواب آخر أظنه مما قد سمعته لاَنظر كلامك عليه .
فقال : هات ذلك ، فإنّي أحب أن أستوفِ ما في هذه المسألة .
فقلت له : إن قلت إن الامام في تقيّة مني وفي تقية ممن خالفني ما يكون كلامك عليه ؟
قال : أفتطلق أنه في تقية منك كما هو في تقية ممن خالفك .
قلت : لا.
قال : فما الفرق بين القولين ؟
قلت : الفرق بينهما أنني إذا قلت إنه في تقية مني كما هو في تقية ممن خالفني ، أو همت أن خوفه مني على حد خوفه من عدوه ، وأن الذي يحذره مني هو الذي يحذره منه أو مثله في القبح ، فإذا قلت : إنّه يتقي مني وممن خالفني ارتفع هذا الاِيهام .
قال : فمن أي وجه أتقى منك ؟ ومن أي وجه أتقى من عدوّه فصّل ليّ الاَمرين حتى أعرفهما .
فقلت له : تقيته من عدوّه هي لاَجل خوفه من ظلمه له وقصده الاِضرار به وحذره من سعيه على دمه ، وتقيته مني لاَجل خوفه من إذاعتي على سبيل السهو أو للتجمل والتشرف بمعرفته بالمشاهدة، أو على التقية مني بمن أوعزه إليه من إخواني في الظاهر فيعقبه ذلك ضرراً عليه ، فبان الفرق بين الاَمرين.
فقال : ما أنكرت أن يكون هذا يوجب المساواة بينك وبين عدوه، لاَنّه ليس يثق بك كما لا يثق بعدوه.
فقلت له : قد بيّنت الفرق وأوضحته ، وهذا سؤال بيِّن قد سلف جوابه وتكراره لا فائدة فيه على أنني أقلبه عليك .
فأقول لك : أليس قد هرب رسول الله صلى الله عليه وآله من أعدائه واستتر عنهم في الغار خوفاً على نفسه منهم .
قال : بلى .
قلت له : فهل عرف عمر بن الخطاب حال هربه ومستقره ومكانه كما عرف ذلك أبو بكر لكونه معه .
قال : لا أدري .
قلت : فهب عرف عمر ذلك ، أعرف ذلك جميع أصحابه والمؤمنين به ؟
قال : لا .
قلت : فأي فرق كان بين أصحابه الذين لم يعلموا بهربه ولا عرفوا بمكانه وبين أعدائه الذين هرب منهم ، وهلا أبانهم من المشركين بإيقافهم على أمره؟ ولم ستر ذلك عنهم كما ستره عن أعدائه ؟ وما أنكرت أن يكون لا فرق بين أوليائه وأعدائه وأن يكون قد سوى بينهم في الخوف منهم والتقية ، وإلا فما الفضل بين الاَمرين ، فلم يأت بشيء أكثر من أنه جعل يومي إلى معتمدي في الفرق بينما الزم ولم يأت به على وجهه ، وعلم من نفسه العجز عن ذلك .
قال الشريف أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي واستزدت الشيخ ـ أدام الله عزه ـ على هذا الفصل من هذا المجلس حيث اعتل بأن غيبة الاِمام عليه السلام عن أوليائه إنّما هي لطف لهم في وقوع الطاعة منه على وجه يكون به أشرف منها عند مشاهدته .
فقلت له : فكيف يكون حال هؤلاء الاَولياء عند ظهوره عليه السلام أليس يجب أن يكون القديم تعالى قد منعهم اللطف في شرف طاعاتهم وزيادة ثوابهم ؟
فقال الشيخ ـ أدام الله عزه ـ : ليس في ذلك منع لهم من اللطف على ما ذكرت ، من قبل أنه لا ينكر أن يعلم الله سبحانه وتعالى منهم أنه لو أدام ستره عنهم وإباحة الغيبة في ذلك الزمان بدلاً من الظهور لفسق هؤلاء الاَولياء فسقاً يستحقون به من العقاب ما لا يفي أضعاف ما يفوتهم من الثواب فأظهره سبحانه لهذه العلة، وكان ما يقتطعهم به عنه من العذاب أرد عليهم وأنفع لهم مما كانوا يكتسبونه من فضل الثواب على ما تقدم به الكلام .
قال الشيخ أيده الله : ووجه آخر وهو : أنه لا يستحيل أن يكون الله تعالى قد علم من حال كثير من أعداء الاِمام عليه السلام أنهم يؤمنون عند ظهوره ويعترفون بالحق عند مشاهدته ويسلمون له الاَمر، وأنه إن لم يظهر في ذلك الزمان أقاموا على كفرهم ، وازدادوا طغياناً بزيادة الشبهة عليهم فوجب في حكمته تعالى إظهاره لعموم الصلاح ، ولو أباحه الغيبة لكان قد خصّ بالصلاح ومنع من اللطف في ترك الكفر، وليس يجوز على مذهبنا في الاَصلح أن يخص الله تعالى بالصلاح، ولا يجوز أيضاً أن يفعل لطفاً في اكتساب بعض خلقه منافع تزيد على منافعه إذ كان في فعل ذلك اللطف رفع لطفه لجماعة في ترك القبح والانصراف عن الكفر به سبحانه ، والاستخفاف بحقوق أوليائه عليهم السلام ، لاَنّ الاَصل والمدار على إنقاذ العباد من المهالك وزجرهم من القبائح، وليس الغرض زيادتهم في المنافع خاصة إذ كان الاقتطاع بالاَلطاف عما يوجب دوام العقاب أُولى من فعل اللطف فيما يستزاد به من الثواب ، لاَنّه ليس يجب على الله تعالى أن يفعل بعبده ما يصل معه إلى نفع يمنعه من أضعافه من النفع ، وكذلك لا يجب عليه أن يفعل اللطف له في النفع بما يمنع غيره من أضعاف ذلك النفع ، وهو إذا سلبه هذا اللطف لم يستدرجه به إلى فعل القبيح، ومتى فعله حال بين غيره وبين منافعه ومنعه من لطف ما ينصرف به عن القبيح، وإذا كان الاَمر على ما بيّناه كان هذان الفصلان يسقطان هذه الزيادة (1).


____________




المُناظرة الثانية والستّون

مناظرة الشيخ المفيد مع بعضهم في علة استتار الإمام الهدي عليه السلام
قال الشريف المرتضى عليه الرحمة : سئل الشيخ ـ أيده الله ـ فقيل له : أليس رسول الله صلى الله عليه وآله قد ظهر قبل استتاره ودعا إلى نفسه قبل هجرته ، وكانت ولادته معروفة ونسبه مشهوراً وداره معلومة، هذا مع الخبر عنه في الكتب الاُولى والبشارة به في صحف إبراهيم وموسى عليه السلام وإدراك قريش وأهل الكتاب علاماته ومشاهداتهم لدلائل نبوته وأعلام عواقبه، فكيف لم يخف مع ذلك على نفسه ولا أمر الله أباه بستر ولادته ، وفرض عليه إخفاء أمره كما زعمتم أنّه فرض ذلك على أبي الاِمام لما كان المنتظر عندكم من بين الاَئمة والمشار إليه بالقيام بالسيف دون آبائه، فأوجب ذلك على ما ادّعيتموه واعتللتم به في الفرق بين آبائه وبينه في الظهور على خبره وكتم ولادته والستر عن الاَنام شخصه، وهل قولكم في الغيبة مع ما وصفناه من حال النبي صلى الله عليه وآله إلاّ فاسد متناقض ؟
جواب : ـ يقال إنّ المصلحة لا تكون من جهة القياس ، ولا تعرف أيضاً بالتوهّم ، ولا يتوصل إليها بالنظائر والاَمثال ، وإنّما تعلم من جهة علاّم الغيوب المطّلع على الضمائر العالم بالعواقب الذي لا تخفى عليه السرائر، فليس ننكر أن يكون الله سبحانه قد علم من حال رسول الله صلى الله عليه وآله ، مع جميع ما شرحتم أنّه لا يقدم عليه أحد ولا يؤثر ذلك منه ، إمّا لخوف من الاِقدام على ذلك ، أو لشك فيما قد سمعوه من وصفه ، أو لشبهة عرضت لهم في الرأي فيه، فتدبير الله سبحانه له في الظهور على خلاف تدبير الاِمام المنتظر لاختلاف الحالين.
ويدل على ما بيناه ويوضح عما ذكرناه أنّه لم يتعرض أحد من عبدة الاَوثان ، ولا أهل الكتاب ولا أحد من ملوك العرب والفرس مع ما قد اتّصل بهم من البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله لاَحد من آباء الرسول صلى الله عليه وآله بالاِخافة، ولا لاستبراء واحدة من أُمهاته لمعرفة الحمل به ، ولا قصدوا الاِضرار به في حال الولادة ولا طول زمانه إلى أن صدع بالرسالة .
ولا خلاف أنّ الملوك من ولد العبّاس لم يزالوا على الاِخافة لآباء الاِمام وخاصة ما جرى من أبي جعفر المنصور مع الصادق عليه السلام ، وما صنعه هارون بأبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام حتى هلك في حبسه ببغداد، وما قصد المتوكّل بأبي الحسن العسكري عليه السلام جد الاِمام حتى أشخصه من الحجاز فحبسه عنده بسر من رأى ، وكذلك جرى أمر أبي محمد الحسن عليه السلام بعد أبيه إلى أن قبضه الله تعالى .
ثم كان من أمر المعتمد بعد وفاة أبي محمد عليه السلام ما لم يخف على أحد من حبسه لجواريه والمسائلة عن حالهنّ في الحمل، واستبراء أمرهنّ عندما اتفقت كلمة الاِمامية على أنّ القائم هو ابن الحسن عليه السلام فظنّ المعتمد أنّه يظفر به فيقتله ويزيل طمعهم في ذلك ، فلم يتمكن من مراده وبقي بعض جواري أبي محمد عليه السلام في الحبس أشهراً كثيرة، فدلّ بذلك على الفرق بين حال النبي صلى الله عليه وآله في مولده وبين الاِمام عليه السلام على ما قدمناه بما ذكرناه وشرحناه .
وشيء آخر وهو أنّ الخوف قد كان مأموناً على رسول الله صلى الله عليه وآله من بني هاشم وبني عبد المطلب وجميع أهل بيته وأقاربه، لاَنّ الشرف المتوقع له بالنبوّة كان شرفهم والمنزلة التي تحصل له بذلك فهي تختص بهم، وعلمهم بهذه الحال يبعثهم على صيانته وحفظه وكلائته ليبلغ الرتبة التي يرجونها له فينالون بها أعلى المنازل ويملكون بها جميع العالم .
وأمّا البعداء منهم في النسب فيعجزون عن إيقاع الضرر به لموضع أهل بيته ومنعهم منه وعلمهم بحالهم وأنّهم أمنع العرب جانباً وأشدهم بأساً وأعزهم عشيرة، فيصدهم ذلك عن التعرض له ويمنع من خطوره ببالهم، وهذا فصل بين حال النبي صلى الله عليه وآله فيما يوجب ظهوره مع انتشار ذكره والبشارة به، وبين الاِمام فيما يجوز استتاره وكتم أمر ولادته، وهذا بيّن لمن تدبره.
وشيءٌ آخر وهو أنّ ملوك العجم في زمان مولد النبي صلى الله عليه وآله لم يكونوا يكرهون مجيء نبي يدعو إلى شرع مستأنف ، ولا يخافون بمجيئه على أنفسهم ولا على ملكهم ، لاَنّهم كانوا ينوون الاِيمان به والاتباع له، وقد كانت اليهود تستفتح به على العرب وترجو ظهوره كما قال الله عزّ وجلّ : ( فلمّا جآءهم ما عرفوا كفروا به )(1) وإنّما حصل للقوم الخلاف عليه والاِباء له بنية تجددت لهم عند مبعثه .
ولم يجر أمر الاِمام المنتظر عليه السلام هذا المجرى بل المعلوم من حال جميع ملوك زمان مولده ومولد آبائه، خلاف ذلك من اعتقادهم فيمن ظهر منهم يدعو إلى إمامة نفسه أو يدعو إليه داع سفك دمه واستئصال أهله وعشيرته ، وهذا أيضاً فرق بين الاَمرين .
وشيء آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله مكث ثلاث عشرة سنة يدعو بمكّة إلى دينه والاعتراف بالوحدانية وبنبوته ، ويسفّه من خالفه ويضلّلهم ويسب آلهتهم، فلم يقدم أحد منهم على قتله ولا رام ذلك ولا استقام لهم نفيه عن بلادهم ولا حبسه ولا منعه من دعوته، ونحن نعلم علماً يقيناً لا يتخالجنا فيه الشك بأنّه لو ظن أحد من ملوك هذه الاَزمان ببعض آل أبي طالب أنّه يحدث نفسه بادّعاء الاِمامة بعد مدة طويلة، لسفك دمه دون أن يعلم ذلك ويتحققه فضلاً عن أن يراه ويجده.
وقد علم أهل العلم كافة أنّ أكثر من حبس في السجون من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وقتل بالغيلة إنّما فعل به ذلك على الظنة والتهمة دون اليقين والحقيقة، ولو لم يكن أحد منهم حلَّ به ذلك إلاّ موسى بن جعفر عليهما السلام لكان كافياً ، ومن تأمّل هذه الاَُمور وعرفها وفكر فيما ذكرناه وتبيّنه انكشف له الفرق بين النبي وبين الاِمام فيما سأل عنه هؤلاء القوم ولم يتخالجه فيه ارتياب والله الموفق للصواب .
وبهذا النحو يجب أن يجاب من سأل فقال : أليس الرسول صلى الله عليه وآله قد ظهر في أوّل أمره وعرفت العامة والخاصة وجوده ثم استتر بعد ذلك عند الخوف على نفسه ، فقد كان يجب أن يكون تدبير الاِمام في ظهوره واستتاره كذلك، مع أنّ الاتفاقات ليس عليها قياس ، والاَلطاف والمصالح تختلف في أنفسها ولا تُدرك حقائقها إلاّ بسمع يرد عن عالم الخفيات ، جلّت عظمته فلا يجب أن نسلك في معرفتها طريق الاعتبار .
وليس يستتر هذا الباب إلاّ على من قلّ علمه بالنظر وبَعُد عنه الصواب والله نستهدي إلى سبيل الرشاد(2).


____________



المُناظرة الثالثة والستّون

مناظرة الشيخ المفيد مع بعضهم في الدليل على وجود الإمام المهدي عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّى الله على محمد وآله وسلّم تسليماً .
سأل سائل الشيخ المفيد رحمه الله فقال : ما الدليل على وجود الاِمام صاحب الغيبة عليه السلام ، فقد اختلف الناس في وجوده اختلافاً ظاهراً ؟
فقال له الشيخ : الدليل على ذلك إنّا وجدنا الشيعة الاِمامية فرقة قد طبقت الاَرض شرقاً وغرباً ، مختلفي الآراء والهمم ، متباعدي الديار لا يتعارفون ، متدينين بتحريم الكذب ، عالمين بقبحه ، ينقلون نقلاً متواتراً عن أئمتهم عليهم السلام عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه : إنّ الثاني عشر يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون(1) ويحكون أنّ الغيبة تقع على ما هي عليه ، فليس تخلوا هذه الاَخبار أن تكون صدقاً أو كذباً ، فإن كانت صدقاً فقد صحّ ما نقول ، وإن كانت كذباً استحال ذلك ، لاَنّه لو جاز على الاِمامية وهم على ما هم عليه ، لجاز على سائر المسلمين في نقلهم معجزات النبي صلى الله عليه وآله مثل ذلك ، ولجاز على سائر الاُمم والفرق مثله ، حتى لا يصحّ خبر في الدنيا ، وكان ذلك إبطال الشرائع كلها .
قال السائل : فلعل قوماً تواطئوا في الاَصل فوضعوا هذه الاَخبار ونقلتها الشيعة وتدينت بها ، وهي غير عالمة بالاَصل كيف كان .
قال له الشيخ رضي الله عنه : أوّل ما في هذا إنّه طعن في جميع الاَخبار ، لاَنّ قائلاً لو قال للمسلمين في نقلهم لمعجزات النبي صلى الله عليه وآله : لعلها في الاَصل موضوعة ، ولعل قوماً تواطئوا عليها فنقلها من لا يعلم حالها في الاَصل ، وهذا طريق إلى إبطال الشرائع ، وأيضاً فلو كان الاَمر على ما ذكره السائل لظهر وانتشر على ألسن المخالفين ـ مع طلبهم لعيوبهم وطلب الحيلة في كسر مذاهبهم ـ وكان ذلك أظهر وأشهر مما يخفى ، وفي عدم العلم بذلك ما يدل على بطلان هذه المعارضة .
قال : فأرنا طرق هذه الاَخبار ، وما وجهها ووجه دلالتها ؟
قال : الاَول ما في هذا الخبر الذي روته العامّة والخاصة ، وهو خبر كميل ابن زياد قال : دخلت على أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو ينكث في الاَرض فقلت له : يا مولاي مالك تنكث الاَرض أرغبة فيها ؟
فقال : والله ما رغبت فيها ساعة قط ، ولكني أفكر في التاسع من ولد الحسين عليه السلام ، هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملأت ظلماً وجوراً ، تكون له غيبة يرتاب فيها المبطلون ، يا كميل بن زياد ، لا بدّ لله في أرضه من حجة، إما ظاهر مشهور شخصه ، وإما باطن مغمور لكيلا تبطل حجج الله (2) . والخبر طويل وإنما اقتصرنا على موضع الدلالة .
وما روى عن الباقر عليه السلام : إن الشيعة قالت له يوماً : أنت صاحبنا الذي يقوم بالسيف؟
قال : لست بصاحبكم ، انظروا من خفيت ولادته فيقول قوم : ولد ، ويقول قوم : ما ولد ، فهو صاحبكم(3).
وما روي عن الصادق عليه السلام إنه قال : كيف بكم إذا التفتم يميناً فلم تروا أحداً ، والتفتم شمالاً فلم تروا أحداً ، واستولت أقوام بني عبد المطلب ، ورجع عن هذا الاَمر كثير ممّن يعتقده ، يمسي أحدكم مؤمناً ويصبح كافراً ، فالله الله في أديانكم هناك فانتظروا الفرج .
وما روي عن موسى بن جعفر عليهما السلام ، إنه قال : أذا توالت ثلاثة أسماء محمد وعلي والحسن فالرابع هو القائم صلوات الله عليه وعليهم(4).
ولو ذهبنا إلى ما روي في هذا المعنى لطال به الشرح ، وهذا السيد ابن محمد الحميري يقول في قصيدة له قبل الغيبة بخمسين ومائة سنة :

وكذا روينا عن وصي محمد


*


وما كان فيما قالـه بالمتكذب

بأن ولـي‌الاَمر يُفقد لا يُرى


*


ستيراً كفعل الخائف‌المترقـب

فيقسم أمـوال الفقيـد كأنما


*


تغيبه تحت الصفيح المنصـب

فيمكث حيناً ثمّ ينبــع‌نبعة


*


كنبعة درى من الاَرض يوهب

له غيبة لا بد من أن يغيبها


*


فصلّى عليه الله من متغيّب(5)

فانظروا رحمكم الله قول السيد هذا القول وهو (الغَيبة) كيف وقع له أن يقوله لولا أن سمعه من أئمته ، وأئمته سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله ، وإلاّ فهل يجوز لقائل أن يقول قولاً فيقع كما قال ما يخرم منه حرف ؟ ! عصمنا الله وإياكم من الهوى ، وبه نستعين ، وعليه نتوكّل(6).
قال السائل : فقد كان يجب أن ينقل هذه الاَخبار مع الشيعة غيرهم .
فقال له : هذا غير لازم ولا واجب ، ولو وجب وجب أن لا يصحّ خبر لا ينقله المؤالف والمخالف وبطلت الاَخبار كلها .
فقال السائل : فإذا كان الاِمام عليه السلام غائباً طول هذه المدة لا يُنتفع به ، فما الفرق بين جوده وعدمه(7).
قال له : إن الله سبحانه إذا نصب دليلاً وحجة على سائر خلقه فأخافه الظالمون كانت الحجة على من أخافه لا على الله سبحانه ، ولو أعدمه الله كانت الحجة على الله لا على الظالمين ، وهذا الفرق بين جوده وعدمه .
قال السائل : ألا رفعه الله إلى السماء فإذا آن قيامه أنزله ؟
فقال له : ليس هو حجة على أهل السماء ، إنّما هو حجة على أهل الاَرض، والحجة لا تكون إلا بين المحجوجين به ، وأيضاً فقد كان هذا لا يمتنع في العقل لولا الاَخبار الواردة أن الاَرض لا تخلو من حجة ، فلهذا لم يجز كونه في السماء وأوجبنا كونه في الاَرض وبالله التوفيق .
فقام إنسان من المعتزلة وقال للشيخ المفيد : كيف يجوز ذلك منك وأنت نظار منهم قائل بالعدل والتوحيد ، وقائل بأحكام العقول ، تعتقد إمامة رجل ما صحت ولادته دون إمامته ، ولا وجوده دون عدمه ، وقد تطاولت السنون حتى أن المعتقد منكم يقول إن له عند ولد خمساً وأربعين ومائة سنة(8)، فهل يجوز هذا في عقل أو سمع ؟
قال له الشيخ : قد قلت فافهم ، اعلم : إن الدلالة عندنا قامت على أن الاَرض لا تخلو من حجة.(9)
قال السائل : مسلّم لك ذلك ثمّ آيش ؟
قال له الشيخ : ثمّ إن الحجة على صفات ، ومن لا يكون عليها لم تكن فيه .
قال له السائل : هذا عندي ، ولم أر في ولد العباس ، ولا في ولد عليّ ، ولا في قريش قاطبة من هو بتلك الصفات ، فعلمت بدليل العقل أن الحجة غيرهم ، ولو غاب ألف سنة ، وهذا كلام جيد في معناه إذا تفكرت فيه ، لاَنّه إذا قامت الدلالة بإن الاَرض لا تخلو من حجة ، وإن الحجة لا يكون إلاّ معصوماً من الخطأ والزلل، لا يجوز عليه ما يجوز على الاُمّة ، وكانت المنازعة فيه لا في الغيبة ، فإذا سلّم ذلك كانت الحجة لازمة في الغيبة(10).


____________

(1) راجع : اصول الكافي : ج 1 ص 338 ح 7 ، كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج 1 ص288 ح 1 وص 302 ح9وص 303 ح 14 ـ 16 ، عيون أخبار الرضا للصدوق : ج 2 ص 69 ح 36 ، بحار الاَنوار : ج 51 ص 146 ح 14 وص 160 ح 6 (بما مضمون الخبر).
(2) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج 1 ص 289 ح 1 ، الاَصول من الكافي : ج 1 ص 338 ح7 (ب في الغيبة) ، كتاب الغيبة للطوسي : ص 104 و 204 ، وفي الاَخيرين : عن الاَصبغ بن نباتة بدلاً من كميل بن زياد .
(3) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج 1 ص 325 ح 2 ، كتاب الغيبة للنعماني : ص 179 ح126 ( وفيهما عن أبي عبد الله عليه السلام ) .
(4) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج 1 ص 334 ح 3 .
(5) راجع : الغدير للاَميني : ج 2 ص 246 ـ 247 ، ديوان السيد الحميري لشاكر هادي: ص116 ـ 117 رقم القصيدة : 20 .
(6) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج 1 ص 34 ـ 35 ، الغدير للاَميني : ج 2 ص 246 ـ 247 .
(7) روي عن الاَعمش عن الصادق عليه السلام قال : لم تخلو الاَرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها ولو لم يعبد الله ، قال سليمان : فقلت للصادق عليه السلام : فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال : كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب . (بحار الاَنوار : ج 52 ص 92 ح 6 وراجع: ح 7 و 8) .
(8) الذى يبدو أن هذه المناظرة وقعت في سنة 400 هـ .
(9) راجع : بحار الاَنوار : ج 23 ص 37 ح 65 وح 67 .
(10) مصنفات الشيخ المفيد عليه الرحمة المجلد السابع (ص 11 ـ 16) (الرسالة الثانية).

المُناظرة الرابعة والستّون

مناظرة الشيخ المفيد مع بعضهم في حديث لو اجتمع للإمام عليه السلام عدة أهل بدر

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ المفيد رضي الله عنه : حضرت مجلس رئيس من الرؤساء ، فجرى كلام في الاِمامة ، فانتهى إلى القول في الغيبة .
فقال صاحب المجلس : أليست الشيعة تروي عن جعفر بن محمد عليه السلام : انّه لو اجتمع للاِمام عدة أهل بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً لوجب عليه الخروج بالسيف(1)؟
فقلت : قد روي هذا الحديث .
قال : أولسنا نعلم يقيناً أن الشيعة في هذا الوقت أضعاف عدّة أهل بدر ، فكيف يجوز للاِمام الغيبة مع الرواية التي ذكرناها ؟
فقلت له : إن الشيعة وإن كانت في وقتنا كثيراً عددها ، حتى تزيد على عدة أهل بدر أضعافاً مضاعفة ، فإن الجماعة التي عدتهم عدة أهل بدر إذا اجتمعت ، فلم يسع الاِمام التقية ووجب عليه الظهور ، لم تجتمع في هذا الوقت ، ولا حصلت في هذا الزمان بصفتها وشروطها ، وذلك إنّه يجب أن يكون هؤلاء القوم معلوم من حالهم الشجاعة ، والصبر على اللقاء ، والاِخلاص في الجهاد ، إيثار الآخرة على الدنيا ، ونقاء السرائر من العيوب ، وصحّة العقول ، وإنهم لا يهنون ولا ينتظرون عند اللقاء ، ويكون العلم من الله تعالى بعموم المصلحة في ظهورهم بالسيف ، وليس كلّ الشيعة بهذه الصفة ، ولو علم الله تعالى أن في جملتهم العدد المذكور على ما شرطناه لظهر الاِمام عليه السلام لا محالة ، ولم يغب بعد اجتماعهم طرفة عين ، لكن المعلوم خلاف ما وصفناه ، فلذلك ساغ للاِمام الغيبة على ما ذكرناه .
قال : ومن أين لنا أن شروط القوم على ما ذكرت ، وإن كانت شروطهم هذه، فمن أين لنا أن الاَمر كما وصفت ؟
فقلت : إذا ثبت وجوب الاِمامة وصحت الغيبة لم يكن لنا طريق إلى تصحيح الخبر إلاّ بما شرحناه ، فمن حيث قامت دلائل الاِمامة والعصمة وصدق الخبر حكمنا بما ذكرناه .
ثمّ قلت : ونظير هذا الاَمر ومثاله ما علمناه من جهاد النبي صلى الله عليه وآله أهل بدر بالعدد اليسير الذين كانوا معه ، وأكثرهم أعزل راجل ، ثمّ قعد عليه وآله السلام في عام الحديبية ومعه من أصحابه أضعاف أهل بدر في العدد ، وقد علمنا أنّه صلى الله عليه وآله مصيباً في الاَمرين جميعاً ، وأنّه لو كان المعلوم من أصحابه في عام الحديبية ما كان المعلوم منهم في حال بدر لما وسعه القعود والمهادنة ، ولوجب عليه الجهاد كما وجب عليه قبل ذلك ، ولو وجب عليه ما تركه لما ذكرناه من العلم بصوابه وعصمته على ما بيّناه .
فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يوحى إليه فيعلم بالوحي العواقب ، ويعرف الفرق من صواب التدبير وخطأه بمعرفة ما يكون ، فمن قال في علم الاِمام بما ذكرت ؟ وما طريق معرفته بذلك ؟
فقلت له : الاِمام عندنا معهود إليه ، مُوقَف على ما يأتي وما يذكر ، منصوب له أمارات تدله على العواقب في التدبيرات والصالح في الاَفعال ، وإنما حصل له العهد بذلك عن النبي صلى الله عليه وآله الذي يوحى إليه ويطلع على علم السماء ، ولو لم نذكر هذا الباب واقتصرنا على أنّه متعبّد في ذلك بغلبة الظن وما يظهر له من الصلاح لكفى وأغنى ، وقام مقام الاِظهار على التحقيق كائناً ما كان بلا ارتياب ، لا سيما على مذهب المخالفين في الاِجتهاد . وقولهم في رأي النبي صلى الله عليه وآله وإن كان المذهب ما قدّمناه .
فقال : لِم لا يظهر الاِمام وإن أدى ظهوره إلى قتله فيكون البرهان له والحجة في إمامته أوضح ، ويزول الشكّ في وجوده بلا ارتياب ؟
فقلت : إنه لا يجب ذلك عليه عليه السلام ، كما لا يجب على الله تعالى معاجلة العصاة بالنقمات وإظهار الآيات في كلّ وقت متتابعات ، وإن كنّا نعلم أنه لو عاجل العصاة لكان البرهان على قدرته أوضح ، والاَمر في نهيه أوكد ، والحجة في قبح خلافه أبين ، ولكان بذلك الخلق عن معاصيه أزجر ، وإن لم يجب ذلك عليه ولا في حكمته وتدبيره لعلمه بالمصلحة فيه على التفضيل ، فالقول في الباب الاَول مثله على أنه لا معنى لظهور الاِمام في وقت يحيط العلم فيه بأن ظهوره منه فساد ، وإنّه لا يؤول إلى إصلاح ، وإنّما يكون ذلك حكمة وصواباً إذا كانت عاقبته الصلاح، ولو علم عليه السلام إن في ظهوره صلاحاً في الدين مع مقامه في العالم أو هلاكه وهلاك جميع شيعته وأنصاره لما أبقاه طرفة عين ، ولا فتر عن المسارعة إلى مرضاة الله جلّ اسمه ، لكن الدليل على عصمته كاشف عن معرفته لردّ هذه الحال عند ظهوره في هذا الزمان بما قدّمناه من ذكر العهد إليه ، ونصب الدلائل والحد والرسم المذكورين له في الاَفعال .
فقال : لعمري ، إن هذه الاَجوبة على الاَصول المقررة لاَهل الاِمامة مستمرة، والمنازع فيها ـ بعد تسليم الاَصول ـ لا ينال شيئاً ولا يظفر بطائل .
فقلت : من العجب إنّا والمعتزلة نوجب الاِمامة ، ونحكم بالحاجة إليها في كلّ زمان ، ونقطع بخطأ من أوجب الاِستغناء عنها في حال بعد النبي صلى الله عليه وآله ، وهم دائماً يشنِّعون علينا بالقول في الغيبة ، ومرور الزمان بغير ظهور إمام ، وهم أنفسهم يعترفون بأنّهم لا إمام لهم بعد أمير المؤمنين عليه السلام إلى هذا الزمان ، ولا يرجون إقامة إمام في قرب هذا من الاَوان ، فعلى كلّ حال نحن أعذر في القول بالغيبة ، وأولى بالصواب عند الموازنة للاَصل الثابت من وجوب الاِمام ، ولدفع الحاجة إليها فى كلّ أوان .
فقال : هؤلاء القوم وإن قالوا بالحاجة إلى الاِمام فعذرهم واضح في بطلان الاَحكام لعدم غيبة الاِمام الذي يقوم بالاَحكام ، وأنتم تقولون أن أئمتكم : قد كانوا ظاهرين إلى وقت زمان الغيبة عندكم ، فما عذركم في ترك إقامة الحدود وتنفيذ الاَحكام .
فقلت له : إن هؤلاء القوم وإن اعتصموا في تضييع الحدود والاَحكام بعد الاَئمة الذين يقومون بها في الزمان ، فإنّهم يعترفون بأن في كلّ زمان طائفة منهم من أهل الحل والعقد قد جعل إليهم إقامة الاِمام الذي يقوم بالحدود وتنفيذ الاَحكام ، فما عذرهم عن كفهم عن إقامة الاِمام وهم موجودون معروفو الاَعيان، فإن وجب عليهم لوجودهم ظاهرين في كلّ زمان إقامة الاِمام المنفذ للاَحكام، وعانوا ترك ذلك في طول هذه المدة عاصين ضالين عن طريق الرشاد كان لنا بذلك عليهم ولن يقولوا بهذا أبداً ، وإن كان لهم عذر في ترك إقامة الاِمام ، وإن كانوا في كلّ وقت موجودين ، فذلك العذر لاَئمتنا عليهم السلام في ترك إقامة الحدود وإن كانوا موجودين في كلّ زمان ، على أن عذر أئمتنا عليهم السلام في ترك إقامة الاَحكام أوضح وأظهر من عذر المعتزلة في ترك نصب الاِمام ، لاَنّا نعلم يقيناً بلا ارتياب أن كثيراً من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله قد شرّدوا عن أوطانهم ، وسفكت دماؤهم ، والزم الباقون منهم الخوف على التوهم عليهم أنهم يرون الخروج بالسيف ، وأنّهم ممّن (تُرجع) إليهم الاَحكام ، ولم ير أحد من المعتزلة ولا الحشوية سفك دمه ، ولا شرّد عن وطنه ، ولا خيف على التوهم عليه ، والتحقيق منه أنه يرى في قعود الاَئمة والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل هؤلاء القوم يصرّحون في المجالس بأنهم أصحاب الاختيار ، وإن إليهم الحل والعقد والاِنكار على الطاعة ، وإن من مذهبهم الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضاً لازماً على اعتقادهم ، وهم مع ذلك آمنون من السلطان ، غير خائفين من نكيره عليهم من هذا المقال .
فبان بذلك أنّه لا عذر لهم في ترك إقامة الاِمام ، وإن العذر الواضح الذي لا شبهة فيه ، حاصل لاَئمتنا عليهم السلام من ترك إقامة الحدود وتنفيذ الاَحكام ، لما بيّناه من حالهم ووصفناه ، وهذا واضح ، فلم يأت بشيء ، ولله الحمد ولرسوله وآله الصلاة والسلام والله الموفق للصواب.(2)


____________





المُناظرة الخامسة والستّون

مناظرة الشيخ الصدوق (1)مع ملحد عند ركن الدولة في غيبة الإمام المهدي عليه السلام
ولقد كلمني بعض الملحدين في مجلس الاَمير السعيد ركن الدولة رضي الله عنه فقال لي : وجب على إمامكم أن يخرج فقد كاد أهل الرُّوم يغلبون المسلمين.
فقلت له : إنّ أهل الكفر كانوا في أيّام نبيّنا صلى الله عليه وآله أكثر عدداً منهم اليوم ، وقد أسرَّ صلى الله عليه وآله أمره وكتمه أربعين سنة بأمر الله جلَّ ذكره ، وبعد ذلك أظهره لمن وثق به وكتمه ثلاث سنين عمّن لم يثق به، ثمَّ آل الاَمر إلى أن تعاقدوا على هجرانه وهجران جميع بني هاشم والمحامين عليه لاَجله، فخرجوا إلى الشعب وبقوا فيه ثلاث سنين فلو أنَّ قائلاً قال في تلك السنين : لم لا يخرج محمد صلى الله عليه وآله فإنَّه واجب عليه الخروج لغلبة المشركين على المسلمين ؟ ما كان يكون جوابنا له إلاّ أنّه صلى الله عنه وآله بأمر الله تعالى ذكره خرج إلى الشعب حين خرج وبإذنه غاب ومتى أمره بالظهور والخروج خرج وظهر .
لاَنَّ النبي صلى الله عليه وآله بقي في الشعب هذه المدَّة حتى أوحى عزَّ وجلَّ إليه أنّه قد بعث أرضةً على الصحيفة المكتوبة بين قريش في هجران النبي صلى الله عليه وآله وجميع بني هاشم، المختومة بأربعين خاتماً ، المعدلة عند زمعة بن الاَسود فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم وتركت ما كان فيها اسم الله عزّ وجلّ ، فقام أبو طالب فدخل مكّة، فلمّا رأته قريش قدروا أنّه قد جاء ليسلم إليهم النبي صلى الله عليه وآله حتى يقتلوه أو يرجعوه عن نبوَّته، فاستقبلوه وعظّموه فلمّا جلس قال لهم : يا معشر قريش إنَّ ابن أخي محمد لم أجرب عليه كذباً قطُّ ، وإنّه قد أخبرني أنَّ ربّه أوحى إليه أنّه قد بعث على الصحيفة المكتوبة بينكم الاَرضة ، فأكلت ما كان فيها من قطيعة رحم وتركت ما كان فيها من أسماء الله عزّ وجلّ ، فأخرجوا الصحيفة وفكّوها فوجدوها كما قال، فآمن بعضٌ وبقي بعض على كفره، ورجع النبي صلى الله عليه وآله وبنو هاشم إلى مكّة(2)، هكذا الاِمام عليه السلام إذا أذن الله له في الخروج خرج .
وشيء آخر وهو أن الله تعالى ذكره أقدر على أعدائه الكفار من الاِمام ، فلو أن قائلاً قال : لِمَ يمهل الله أعداءه ولا يبيدهم وهم يكفرون به ويشركون ؟ لكان جوابنا له أنَّ الله تعالى ذكره لا يخاف الفوت فيعاجلهم بالعقوبة، و ( لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون )(3) ولا يقال له : لِمَ ولا وكيف ، وهكذا إظهار الاِمام إلى الله الذي غيّبه فمتى أراده أذن فيه فظهر.
فقال الملحد : لست أؤمن بإمام لا أراه ، ولا تلزمني حجّته ما لم أره .
فقلت له : يجب أن تقول : إنّه لا تلزمك حجّة الله تعالى ذكره لاَنّك لا تراه، ولا تلزمك حجّة الرسول صلى الله عليه وآله لاَنّك لم تره .
فقال للاَمير السعيد ركن الدولة رضي الله عنه : أيّها الاَمير راع ما يقول هذا الشيخ فإنّه يقول : إنَّ الاِمام إنّما غاب ولا يُرى لاَنّ الله عزّ وجلّ لا يُرى .
فقال له الاَمير رحمه الله : لقد وضعت كلامه غير موضعه وتقوَّلت عليه ، وهذا انقطاع منك وإقرار بالعجز.
وهذا سبيل جميع المجادلين لنا في أمر صاحب زماننا عليه السلام ما يلفظون في دفع ذلك وجحوده إلاّ بالهذيان والوساوس والخرافات المموَّهة(4).


____________

(1) هو : الشيخ الاَجل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي المشتهر بالصدوق ـ رضي الله تعالى عنه وأعلى مقامه ـ شيخ من مشائخ الشيعة، وركن من أركان الشريعة، رئيس المحدثين، ولد في قم حدود سنة 306 هـ بدعاء الاِمام الثاني عشر الحجة بن الحسن ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ ، ونال بذلك عظيم الفضل والفخر، ووصفه الاِمام عليه السلام في التوقيع الخارج من ناحيته المقدسة بأنه : فقيهٌ خيّر مبارك ينفع الله به، فعمّت بركته ببركة الاِمام عليه السلام وانتفع به الخاص والعام، وبقيت آثاره ومصنفاته مدى الاَيّام، وعمّ الانتفاع بفقهه وحديثه الفقهاء الاَعلام ، وكان جليلاً حافظاً للاَحاديث بصيراً بالرجال ناقلاً للاَخبار لم يُرَ في القمّيين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو ثلاثمائة مصنّف في شتى فنون العلم وأنواعه، وأشهرها : كتاب من لا يحضره الفقيه، عيون أخبار الرضا عليه السلام ، علل الشرائع ، إكمال الدين وإتمام النعمة ، أمالي الصدوق، معاني الاَخبار، توفي ـ عليه الرحمة ـ في بلدة الري سنة 381 هـ ، وقبره بالقرب من قبر السيد عبد العظيم بن عبدالله الحسني رضي الله عنه .
راجع ترجمته في : تنقيح المقال للعلامة المامقاني : ج3 ص154 ترجمة رقم : 11104، الفهرست للشيخ الطوسي : ص156 ترجمة رقم : 695، روضات الجنات : ج6 ص132 ترجمة رقم : 574 ، وفي أكثر كتبه في المقدمة وفي العديد من الكتب الرجالية.
(2) راجع قصة الصحيفة في : البداية والنهاية لابن كثير : ج 2 ص 95 ـ 97 ، دلائل النبوة لاَبي نعيم : ج 1 ص 272 ـ 275 ح 205 ، الكامل في التأريخ لابن الاَثير : ج 2 ص 87 ـ 90 ، بحار الاَنوار : ج 19 ص 1 ـ 4 ح 1 .
(3) سورة الاَنبياء : الآية 23 .
(4) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج1 ص87 ـ 88

(2) المُناظرة السادسة والستّون

(3) مناظرة ابن طاووس (1)مع بعض أهل الخلاف في أمر بعض الصحابة والرجهة والمتعة وغيبة الإمام المهدي عليه السلام
يقول ابن طاووس ـ عليه الرحمة ـ : ولقد جمعني وبعض أهل الخلاف مجلس منفرد فقلت لهم : ما الذي تأخذون على الاِمامية ، عرّفوني به بغير تقيّة لاَذكر ما عندي ، وفيه غلقنا باب الموضع الذي كنّا ساكنيه ؟
فقالوا : نأخذ عليهم تعرضهم بالصحابة، ونأخذ عليهم القول بالرجعة ، والقول بالمتعة، ونأخذ عليهم حديث المهدي عليه السلام وأنّه حي مع تطاول زمان غيبته؟
فقلت لهم : أما ما ذكرتم من تعرض من أشرتم إليه بذم بعض الصحابة، فأنتم تعلمون أن كثيراً من الصحابة استحل بعضهم دماء بعض في حرب طلحة والزبير وعائشة لمولانا علي عليه السلام وفي حرب معاوية له أيضاً ، واستباحوا أعراض بعضهم لبعض حتى لعن بعضهم بعضاً على منابر الاِسلام ، فأولئك هم الذين طرقوا سبيل الناس للطعن عليهم ، وبهم اقتدى من ذمهم ونسب القبيح إليهم، فإن كان لهم عذر في الذي عملوه من استحلال الدماء وإباحة الاَعراض، فالذين اقتدوا بهم أعذر وأبعد من أن تنسبوهم إلى سوء التعصب والاِعراض ، فوافقوا على ذلك .
وقلت لهم : وأمّا حديث ما أخذتم عليه من القول بالرجعة ، فأنتم تروون أن النبي صلى الله عليه وآله قال : إنّه يجري في أُمّته ما جرى في الاَُمم السابقة(2)وهذا القرآن يتضمن ( أَلَمْ تَرَ إلى الَّذينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموتِ فَقالَ لَهم اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحياهُمْ )(3)فشهد جلّ جلاله أنه قد أحيا الموتى في الدنيا وهي رجعة ، فينبغي أن يكون في هذه الاَُمّة مثل ذلك ، فوافقوا على ذلك.
فقلت لهم : وأمّا أخذكم عليهم بالقول بالمتعة فأنتم أحوجتم الشيعة إلى صحّة الحكم بها ، لاَنّكم رويتم في صحاحكم عن جابر(4)بن عبدالله الاَنصاري، وعبدالله بن عباس(5)، وعبدالله بن مسعود(6)، وسلمة بن الاَكوع(7)، وعمران بن الحصين(8) وأنس بن مالك، وهم من أعيان الصحابة(9)أنّ النبي صلى الله عليه وآله مات ولم يحرِّمها ، فلمّا رأت الشيعة أن رجالكم وصحاح كتبكم قد صدقت رجالكم، ورواتهم أخذوا بالمجمع عليه وتركوا ما أنفردتم به ، فوافقوا على ذلك.
وقلت لهم : وأمّا ما أخذتم عليهم من طول غيبة المهدي عليه السلام فأنتم تعلمون، أنّه لو حضر رجل وقال : أنا أمشي على الماء ببغداد فإنّه يجتمع لمشاهدته، لعل من يقدر على ذلك منهم فإذا مشى على الماء وتعجب الناس منه فجاء آخر قبل أن يتفرقوا ، وقال أيضاً : أنا أمشي على الماء فإن التعجب منه يكون أقل من ذلك فمشى على الماء فإن بعض الحاضرين ربما يتفرقون ويقل تعجبهم ، فإذا جاء ثالث وقال : أنا أيضاً أمشي على الماء فربّما لا يقف للنظر إليه إلاّ قليل فإذا مشى على الماء سقط التعجب من ذلك ، فإن جاء رابع وذكر أنّه يمشي أيضاً على الماء فربّما لا يبقى أحد ينظر إليه ولا يتعجب منه وهذه حالة المهدي عليه السلام لاَنّكم رويتم أنّ إدريس عليه السلام حي(10)موجود في السماء منذ زمانه إلى الآن، ورويتم أن الخضر عليه السلام حي موجود منذ زمان موسى عليه السلام أو قبله إلى الآن(11)ورويتم أن عيسى حي موجود(12) في السماء وأنّه يرجع إلى الاَرض(13)مع المهدي عليه السلام فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم ، وسقط التعجب بهم من طول أعمارهم ، فهلا كان لمحمد بن عبدالله ـ صلوات الله عليه وآله ـ أسوة بواحد منهم أن يكون من عترته آية لله جلّ جلاله في أُمّته بطول عمر واحد من ذريته فقد ذكرتم ورويتم في صفته: أنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت جوراً وظلماً(14)، ولو فكرتم لعرفتم أن تصديقكم وشهادتكم أنه يملأ الأرض بالعدل شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً أعجب من طول بقائه ، وأقرب إلى أن يكون ملحوظاً بكرامات الله(15)جلّ جلاله لاَوليائه ، وقد شهدتم أيضاً له أن عيسى بن مريم النبي المعظم عليهما السلام يصلّي خلفه(16) مقتدياً به في صلواته وتبعاً له ومنصوراً به في حروبه وغزواته ، وهذا أيضاً أعظم مقاماً مما استبعدتموه من طول حياته فوافقوا على ذلك؛ وفي حكاية الكلام زيادة فاطلب من الطرائف وغيرها(17).

(4)
____________

(5) (1) هو : رضي الدين أبو القاسم علي بن السيد سعد الدين بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي عبدالله محمد الطاووس بن إسحاق بن الحسن بن محمد ابن سليمان بن داود بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب عليهما السلام ، ولد في سنة 589 هـ بالحلّة ونشأ بها وترعرع، ثمّ هاجر إلى بغداد وأقام بها نحواً من خمس عشرة سنة ، وأسكنه المستنصر العباسي داراً في الجانب الشرقي من بغداد، ثمّ رجع إلى الحلّة، ثمّ انتقل إلى النجف ثم كربلاء ثمّ عاد إلى بغداد ، ولي نقابة الطالبيين وبقي فيها إلى أن توفّي سنة 664 هـ ، نشأ وسط أسرة علمية عريقة، وتتلمذ على أيدي علماء أعلام منهم: الشيخ ورّام والشيخ نجيب الدين محمد بن نما وغيرهم الكثير، وروى عنه الكثير منهم : الاَربلي صاحب كشف الغمّة، وسديد الدين والد العلاّمة الحلّي وغيرهم، ترك ثروة ضخمة من التآليف القيمة منها : أسرار الصلاة، الاِقبال، التحصين، كشف المحجّة إلى ثمرة المهجة، اليقين .
انظر ترجمته في : مقدّمة اليقين وجمال الاَسبوع، أمل الآمل : ج2 ص205 ترجمة رقم : 622 ، معجم رجال الحديث للسيد الخوئي قدس سره : ج12 ص188 ترجمة رقم : 8532، سفينة البحار : ج2 ص96 .
(2) إشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وآله المروي عنه : يكون في هذه الاَُمّة كل ما كان في الاَُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة . والمروي عنه أيضاً : لم يجر في بني إسرئيل شيء إلاّ ويكون في أُمّتي مثله حتى المسخ والخسف والقذف . وقد تقدّمت تخريجاته فيما سبق .
(3) سورة البقرة : الآية 243 .
(4) راجع : كنز العمّال : ج16 ص520 ح45719 وح 45720 ، وروي عن جابر من طريق قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر، والدقيق، على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأبي بكر، حتى نهى عمر بن الخطاب، لاَجل عمرو بن حريث لما استمتع . صحيح مسلم : النكاح ب نكاح المتعة: ج2 ص 1023 ح16 ، فتح الباري للعسقلاني : ج 9 ص 141 ، نهج الحقّ وكشف الصدق : ص283 .
(5) راجع : صحيح البخاري : ج 6 ص 66 ، كنز العمّال : ج16 ص521 ح45725 ، الدر المنثور للسيوطي : ج2 ص483 ـ 484 .
(6) راجع : كنز العمّال : ج16 ص527 ح45748 ، الدر المنثور للسيوطي: ج2 ص485.
(7) فتح الباري للعسقلاني : ج 9 ص 141 ، صحيح مسلم : ج 2 ص 1022 ح 13 و 14 ، كنز العمال : ج 16 ص 526 ح 45740 و 45741 .
(8) وروي عن عمران بن حصين، قال : نزلت متعة النساء في كتاب الله تعالى ، وعملنا مع النبي صلى الله عليه وآله ولم ينزل القرآن بحرمتها، ولم ينه عنها حتى مات .
راجع : صحيح البخاري : ج 2 ص 176 و ج 6 ص 33 ، مسند أحمد بن حنبل : ج4 ص436 ، التفسير الكبير للرازي : ج10 ص49 ـ 50 ، نهج الحق وكشف الصدق: ص283.
(9) وهناك الكثير من الصحابة والتابعين (وسوف يأتي ذكرهم تفصيلاً في هامش مناظرة ابن عباس مع الزبير) من يرى حلية المتعة راجع : المحلى لابن حزم : ج9 ص519 ، الجامع لاَحكام القرآن للطبري : ج 5 ص 133 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 12 ص254 ، الغدير للاَميني : ج6 ص220 ـ 222 ، النص والاجتهاد للسيد شرف الدين : ص212 ـ 218، المتعة وأثرها في الاِصلاح الاجتماعي : ص44 و64.
(10) راجع : قصص الاَنبياء عليهم السلام ، لابن كثير : ج1 ص101 ـ 102 ، أخبار الدول للقرماني: ص22.
(11) راجع : قصص الاَنبياء عليهم السلام ، لابن كثير : ج 2 ص 200 ، أخبار الدول للقرماني:ص44.
(12) راجع : قصص الاَنبياء عليهم السلام ، لابن كثير : ج2 ص436 و 442 ، أخبار الدول للقرماني : ص76.
(13) راجع : صحيح البخاري : ج 4 ص 205 ، ب نزول عيسى بن مريم عليه السلام ، المصنّف لعبدالرزاق الصنعاني : ج11 ص400 ح20841 ، مسند أحمد : ج2 ص272 ، مصابيح السنة للبغوي : ج3 ص516 ح4261 ، فردوس الاَخبار للديلمي : ج3 ص342 ح4916، جامع الاَُصول لابن الاَثير : ج10 ص327 ح7831 ، معجم أحاديث الامام المهدي عليه السلام . ج1 ص518 ـ 537 .
(14) راجع : الكتاب المصنف لابن أبي شيبة : ج15 ص198 ح19494، جامع الاَصول لابن الاَثير : ج 10 ص 330 ح 7833 و 7834 و 7836 و 7837 ، ينابيع المودة : ص448 ، غاية المرام للبحراني : ص704 ح162 ، كنز العمّال : ج14 ص264 ح38665 وص 265 ح 38667 و ص 266 ح 38669 و ح 38670 و ص 267 ح 38675 و 38676، كشف الغمّة للاَربلي : ج2 ص468 ـ 476، معجم أحاديث الامام المهدي7: ج1 ص 104 .
(15) جاء في الكتاب المصنّف : ج 15 ص 199 ح 19499 عن النبي صلى الله عليه وآله أن المهدي لا يخرج حتى تُقتل النفس الزكية ، فإذا قُتلت النفس الزكية غضب عليهم مَن في السماء ومَن في الاَرض ، فأتى الناس المهدي ، فزفوه كما تُزف العروس إلى زوجها ليلة عرسها ، وهو يملأ الاَرض قسطاً وعدلاً ، وتخرج الاَرض نباتها ، وتمطرُ السماء مطرها ، وتنعم أُمتي في ولايته نعمةً لم تنعمها قط.
(16) راجع : الكتاب المصنف لابن أبي شيبة : ج15 ص198 ح19495 ، كنز العمّال : ج14 ص266 ح 38673 ، الجامع الصغير للسيوطي : ج 2 ص 546 ح 8262 ، كشف الغمّة للاَربلي : ج2 ص479 ـ 480، معجم أحاديث الاِمام المهدي عليه السلام: ج1 ص 528 .
(17) كشف المحجة لابن طاووس : ص54 ـ 56 .



المُناظرة السابعة والستّون

مناظرة ابن طاووس مع بعضهم في غيبة الإمام المهدي عليه السلام
وقد كان سألني بعض من يذكر أنه معتقد لاِمامته فقال : قد عرضت لي شبهة في غيبته.
فقلت : ما هي ؟
فقال : أما كان يمكن أن يلقى أحداً من شيعته ويزيل الخلاف عنهم في العقائد ، ويتعلق بدين جدّه محمد صلى الله عليه وآله وشريعته ، واشترط عليَّ أن لا أجيبه بالاَجوبة المسطورة في الكتب ، وذكر أنه ما أزال الشبهة منه ما وقف عليه ، ولا ما سمعه من الاَعذار المذكورة .
فقلت له : أيهما أقدر على إزالة الخلاف بين العباد ، وأيما أعظم وأبلغ في الرحمة والعدل والاِرفاد ، أليس الله جلّ جلاله ؟
فقال : بلى .
فقلت له : فما منع الله جلّ جلاله أن يزيل الخلاف بين الاُمم أجمعين ، وهو أرحم الراحمين وأكرم الاَكرمين ، وهو أقدر على تدبير ذلك بطرق لا يحيط بها علم الآدميين ، أفليس أن ذلك لعذر يقتضيه عدله وفضله على اليقين ؟
فقال : بلى .
فقلت له : فعذر نائبه عليه السلام هو عذره على التفصيل ، لاَنّه ما يفعل فعلاً إلاّ ما يوافق رضاه على التمام .
فوافق وزالت الشبهة ، وعرف صدق ما أورده الله جل جلاله على لساني من الكلام(1).


____________




المُناظرة الثامنة والستّون

مناظرة السيد علي البطحائي مع الشيخ سيف في غيبة الإمام المهدي عليه السلام
ذهبت إلى دائرة الاَمر بالمعروف عند الشيخ سيف رئيس الهيئة وقلت: مكتوب بمسجد الرسول صلى الله عليه وآله المهدي محمد عليه السلام ، فقلت: من محمد المهدي؟
قال: مكتوب بالاَحجار؟
قلت: نعم مكتوب بالاَحجار وسط المسجد قبال باب المجيدي.
فقال: يقولون صاحب الزمان.
قلت: وأنت ما تقول في حقه؟
قال: أنا ما أعرفه.
قلت: مذكور في كتبكم نحواً من خمسين رواية أنه هو الثاني عشر من أوصياء الرسول صلى الله عليه وآله ، وأنه هو الذي يملأ الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً.
قال: ليست الروايات في الكتب المعتبرة.
قلت: أنا أحضرها لك.
قال: ليس بلازم.
قلت: أنا أستدل بالآيات الشريفة من القرآن.
قال: أيّةُ آية؟
قلت: آية اربع وخمسين من سورة النور: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الاَرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونه ولا يشركون به شيئاً ). فالآية تدل على أن الخلافة ستكون للذين آمنوا وعملوا الصالحات، والخلافة تكون في جميع الاَرض لمن كان خائفاً ، ويمكّن الخلافة والدين لشخص تكون هذه صفته.
فقال الشيخ: هذه الآية بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وآله حيث كان خائفاً بمكة ، ثم جاء المدينة فصار مستقراً.
قلت: أنا استدل بآية اخرى.
قال: أيّةُ آية؟
قلت: آية مائة وأربعة من سورة الاَنبياء: ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الاَرض يرثها عبادي الصالحون ). والمهدي الحجة بن الحسن من أحد عباد الله الصالحين الذين يرثون الاَرض.
قال: الشيعة تقول أن علي بن أبي طالب عليه السلام هو النبي صلى الله عليه وآله.
قلت: لعن الله كل شيعي يعتقد ذلك ، وكل من يفتري على الشيعة بالقول بأن علي بن أبي طالب عليه السلام هو النبي صلى الله عليه وآله ، لاَن الشيعة تقرأ في كل يوم هذه الآية من سورة الاَحزاب آية تسع وثلاثين: ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً )ويعلم بأن الرسول صلى الله عليه وآله خاتم النبيين، لكن الشيعة تقول بأن الرسول صلى الله عليه وآله بعد رجوعه من مكة في عام حجة الوداع أقام بالجمعة وصرّح بأن علي بن أبي طالب عليه السلام وصيه ووارثه ومولى كل مؤمن ومؤمنة في يوم الغدير ، ومسجد الغدير الآن معروف عندكم مذكور في كتبكم مثل: وفاء الوفاء(1)وتاريخ المدينة المنورة.
ثم قال: أنتم تقولون: المهدي هو الغائب في السرداب.
قلت : إنا لا نقول أنه غائب في السرداب ، بل نقول غائب عن الاَنظار ، وهو حي مرزوق.
قال: كيف يكون طول عمره؟
قلت: أما قرأت القرآن حيث يقول بالنسبة لنوح ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً )(2) وبالنسبة إلى عيسى بن مريم يقول : ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم )(3).
قال: أنتم تقولون المهدي هو المرفوع إلى السماء.
قلت: لا، لكن نقول الله الذي هو قادر على أن يبقي عيسى بن مريم مدة طويلة ، قادر على أن يبقي المهدي الحجة بن الحسن عليه السلام مدة طويلة.
قال الشيخ رئيس الهيئة : لا تتكلم معي، لا تتباحث معي، فلقد تزلزلت عقيدتي(4).


____________




المُناظرة التاسعة والستّون

مناظرة أحد المحققين مع أحد الباحثين في مسألة أصحاب الإمام الحجة عليه السلام
وردت روايات مختلفة وبعبارات شتى في شأن القضايا التي تتعلق بالاِمام المهدي عليه السلام ، والتحاق 313 نفر من أصحابه إليه عند ظهوره من مكة المكرمة، إمام العصر عليه السلام أيضاً في انتظار تكامل عدّتهم، وهؤلاء الاَصحاب هم السابقون الاَولون لبيعة الامام (عج) ، وبحضورهم يعلن الاِمام عليه السلام عن الخروج، ويبدأ الخروج بشكل مراحل، فهؤلاء الاَصحاب هم حملة ألوية الاِمام (عج)، وولاته على الكرة الاَرضية بأسرها.
وهذه المناظرة حدثت بين أحد الباحثين عن الحقيقة مع أحد المحققين الاِسلاميين في شأن هذه المسألة.
الباحث: تفضل علينا بذكر حديث ورد في عدد أصحاب الاِمام المهدي عليه السلام، وأنهم 313 نفر.
المحقق: ورد هذا الحديث بعبارات مختلفة، بل لا ينحصر بحديث واحد، هناك عدّة أحاديث واردة في هذا الشأن، تحكي عن (313) نفر من أصحاب الاِمام (عج) ، بل يُدعى التواتر المعنوي لهذا الحديث، وبعبارة أخرى، إن أصل المعنى في شأن اصحاب الاِمام (عج) إلى حدٍ يوجب العلم والقطع به، لاِنه لايمكن تواطؤ هذا العدد الهائل من الرواة على الكذب فيه.
الباحث: فأرجوا من سماحتكم أن تذكروا لنا حديثاً أو حديثين من تلك الاَحاديث الكثيرة المتواترة في أصحاب إمام العصر (عج)، وكما يقول المثل: ما لا يُدرك كلّه لا يُترك كلّه.
المحقق: ورد في تفسير الآية 80 من سورة هود عليه السلام قال لوط لقومه المعاندين: ( لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد )، عن صالح بن سعيد عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام في قوله تعالى: ( لو أنَّ لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) قال عليه السلام : القوة القائم (عج)، والركن الشديد ثلاثمائة وثلاثة عشر أصحابه »(1).
وفي رواية عن الاِمام الباقر عليه السلام قال: « لكأني أنظر إليهم مصعّدين من نجف الكوفة ثلاث مأة وبضعة عشر رجلاً كأنّ قلوبهم زبر الحديد... »(2).
الباحث: هل ، لم يتكامل هذاالعدد من أصحاب الاِمام عليه السلام حتى الآن ليلتحقوا به، ويحل زمن ظهور إمام العصر (عج) وتنجو البشرية من هذه الويلات؟
المحقق: تذكر لنا الروايات إن لهؤلاء الاَصحاب مميزات، فمع التأمل في هذه المميزات يتضح لنا أنّ البشرية في عصر الغيبة تفتقد لمثل هؤلاء الاَفراد.
الباحث: ما هي هذه المميزات؟
المحقق: على سبيل المثال:نقرأ في رواية عن الاِمام السجاد عليه السلام ، يذكر القائم في خبر طويل إلى أن يقول: « ثمّ يخرج إلى مكة والناس يجتمعون بها، فيقوم رجل منه فينادي : أيها الناس هذا طلبتكم قد جاءكم، يدعوكم إلى ما دعاكم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال: فيقومون، ثم يقوم هو بنفسه، فيقول (عج): أيها الناس أنا فلان بن فلان أنا ابن نبيّ الله، أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبيّ الله صلى الله عليه وآله .
فيقومون إليه ليقتلوه، فيقوم ثلاثمائة أو ينيف ثلاثمأة فيمنعونه منه خمسون من أهل الكوفة، وسائرهم من أفناء الناس لا يعرف بعضهم بعضاً ، اجتمعوا على غير ميعاد »(3).
ووردت روايات عديدة في أوصافهم منها: « يجمعهم الله بمكة قزعاً كقزع الخريف »(4) .
بمعنى: أنهم يحضرون عند القائم (عج) في مكة كالبرق الخاطف، وقال الاِمام الصادق عليه السلام : « وكأنّي أنظر إلى القائم على منبر الكوفة، وحوله أصحابه ثلاثمائة وثلاث عشر رجلاً عدّة أهل بدر، وهم أصحاب الأولوية، وهم حكام الله في أرضه على خلقه »(5).
نفهم من هذا الحديث، يجب أن يكون أصحاب الاِمام القائم (عج) على مستوى عالٍ من العلم والكمال والشجاعة وسائر القيم والفضائل والصفات الاِسلامية الحميدة، مثلاً لو قسمنا الكرة الاَرضية إلى 313 ولاية، فيكون كل واحد منهم لائقاً وكفوءً وقائداً لرفع راية هذه الولاية، وهل تملك اليوم الكرة الاَرضيةهذا العدد من القوّاد ، وبهذه الخصوصيات والمميزات حتى يستطيع كل واحدٍ منهم أن يتولى ولاية في حكومة الاِمام المهدي (عج).
الباحث: الآن فهمت الموضوع، ليس اليوم على الكرة الاَرضية بأسرها 313 رجلاً بهذه المميزات، فيجب أن نسعى لاِيجاد الاَرضية الصالحة الصلبة، تمد جذورها القوية إلى جميع الجهات حتى تستعد الدنيا لاستقبال الاِمام المهدي (عج) عند ظهوره كما احتاج النبي صلى الله عليه وآله لتحقيق أهداف رسالته المقدسة إلى تربية الكوادر المؤمنة والعالمة والشجاعة والمدبرة في الاَمور السياسية، وكذلك الاِمام المهدي (عج) بحاجة إلى هذه الكوادر الرسالية وبهذه المميزات، فأود أن أسمع أيضاً من مميزات هؤلاء الاَصحاب.
المحقق: نقرأ في الآية 148 من سورة البقرة: ( أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً ) ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام أنّه قال بعد ذكر الآية الشريفة: « يعني اصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر رجلاً، وهم والله الاَمة المعدودة ، يجتمعون والله في ساعة واحدة قزعاً كقزع الخريف »(6).
ومن مميزاتهم: أنهم يأتون من البلاد النائية إلى مكة، كما جاء في الحديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام في حديث طويل إلى أن قال: « فيجمع الله تعالى عسكره في ليلة واحدة وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاص الاَرض »(7).
وينتظرهم الاِمام المهدي (عج) في « ذي طوى »(8)يبعد عن مكة فرسخاً واحداً، حتى يلتحقون به في جانب الكعبة، فقد ورد عن الاِمام الصادق عليه السلام قال: « إن القائم يهبط من ثنية ذي طوى في عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، حتى يسند ظهره إلى الحجر ويهز الراية الغالبة »(9).
وهؤلاء الاَصحاب أول من يبايعه (عج)، عن الاِمام الصادق عليه السلام قال:
« فيكون أول من يبايعه جبرئيل، ثم الثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً »(10).
فترعاهم الاِمدادات الغيبية العظيمة، ويد الله وعنايته فوق رأس الاِمام المهدي (عج) وأصحابه كما ورد حديث في هذا الشأن عن الاِمام السجاد عليه السلام ، عن أبي خالد الكابلي قال: قال لي علي بن الحسين عليه السلام : « يا أبا خالد لتأتين فتن اليَّ... » إلى أن قال: « كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم بظهر كوفان في ثلاثمائة وبضعه عشر رجلاً، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، وإسرافيل أمامه، معه راية رسول الله صلى الله عليه وآله قد نشرها لا يهوي بها إلى قوم إلا أهلكهم الله »(11).
الباحث: لماذا تنطق الاَحاديث عن الرجال فقط في ركب الاِمام المهدي (عج) دون النساء؟
المحقق: علة ذكر الرجال دون النساء يرجع إلى بداية ظهور الاِمام المهدي (عج) وهي مرحلة عصيبة فيها الجهاد والحرب والدفاع عن الاِسلام، فتقتضي حضور الرجال في هذه الميادين، وللنساء دور خلف ميادين الجهاد والدفاع عن الاِمام المهدي عليه السلام .
وأشارت بعض الروايات الواردة في موضوع 313 رجلاً من خواص الاِمام عليه السلام إلى دور النساء وحضورهنّ أيضاً، منها:
عن الاِمام الباقر عليه السلام : « ويجيء والله ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة، يجتمعون بمكة على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف »(12).
وعن المفضل، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: « يكن مع القائم عليه السلام ثلاث عشرة امرأة » قلت: وما يصنع بهن؟ قال عليه السلام : « يداوين الجرحى، ويقمن على المرضى كما كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله »(13).
الباحث: فهذه العدّة من الرجال والنساء، مع عظمة قيام المهدي (عج) العالمية، أليس قليلاً؟
المحقق: هؤلاء الركب الاَُول الذين يلتحقون بالاِمام (عج) عند ظهوره، ثم مع مرور الزمن يتكاثر المؤمنون حوله ويزدادون عدداً وقوة، وبعبارة أخرى: يعتبر هؤلاء خواص الاِمام عليه السلام ، ويشكلون النواة المركزية لمقر حكومته العالمية كما ورد في الرواية.
جاء في فصل الخطاب عن الشيخ محي الدين بن العربي في ذكر المهدي عليه السلام قال: « يكون معه ثلاثمائة وستون رجلاً من رجال الله الكاملين يبايعونه بين الركن والمقام... وله رجال يقيمون دعوته وينصرونه ، هم الوزراء يحملون أثقال المملكة »(14).
وأيضاً قال: « يفتحون مدينة الروم بالتكبير، فيكبرون التكبيرة الاَولى فيسقط ثلثها، ويكبرون التكبيرة الثانية فيسقط الثلث الثاني من السور، ويكبرون التكبيرة الثالثة فيسقط الثالث فيفتحونها من غير سيف »(15).
وفي رواية اُخرى: عن الاِمام الباقر عليه السلام قال: « إذا ظهر القائم ودخل الكوفة بعث الله تعالى من ظهر الكوفة سبعين ألف صدّيق ، فيكونون من أصحابه وأنصاره ويردّ السواد إلى أهله، وهم أهله »(16).
ولاِتمام هذه المناظرة، وبما انه خاتمة الكتاب الفت أنظاركم إلى مطالب لطيفة واُزينها بهذه الاَحاديث:
1 ـ عن أبي بصير قال: قال أبو عبدالله عليه السلام : « ينادى باسم القائم ـ صلوات الله عليه ـ في ليلة ثلاث وعشرين ، ويقوم في يوم عاشوراء وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن عليّ عليه السلام »(17).
2 ـ عن علي بن الحسين السجّاد عليه السلام قال: « إذا قام قائمنا أذهب الله عزوجل عن شيعتنا العاهة، وجعل قلوبهم كزبر الحديد ، وجعل قوة الرجل منهم قوة أربعين رجلاً ، ويكونون حكام الاَرض وسنامها »(18).
3 ـ عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام : « فإذا وقع أمرنا وخرج مهدينا عليه السلام كان أحدهم أجرى من الليث، وأمضى من السنان، ويطأُ عدوَّنا بقدميه ، ويقتله بكفيه »(19).
4 ـ عن الاِمام الصادق عليه السلام قال: « ليعُدَنَّ أحدكم لخروج القائم ولو سهماً »(20).
5 ـ عن عبدالعظيم الحسني قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى عليه السلام : من حديث طويل قال عليه السلام : « ويذلُّ له كلَّ صعب »(21).(22)


____________

(1) تفسير القمّي : ج 1 ص 336 ، تفسير البرهان: ج3 ص127 ح 5154 ، اثبات الهداة: ج3 ص551 ح 564 ، كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج 2 ص 673 ح 26.
(2) بحار الاَنوار: ج52 ص343 ح 91 .
(3) بحار الاَنوار: ج52 ص306ح 79.
(4) بحار الاَنوار : ج 52 ص 239 ح 105 وج 51 ص 55 ح 42 .
(5) بحار الاَنوار: ج52 ص326 ح 42.
(6) إثبات الهداة: ج3 ص451 ح 62 ب 32 ، بحار الاَنوار : ج 52 ص 368 .
(7) إثبات الهداة: ج3 ص587 ح 804 ، بحار الاَنوار : ج 51 ص 157 ح4 .
(8) ذُو طُوىً : وادٍ بمكة المكرمة ، ويروى أنّ النبي (ص) لمّا انتهى إلى ذي طوىً عام الفتح ، وقف على راحلته مُعتجراً بشقة بُرد حبرة حمراء ، وإنّه ليضع رأسه تواضعاً لله ، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى إنّ عُثنونَه ليكاد يَمسُّ واسطة الرحل . معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع للاندلسي : ج 3 ص 896 .
(9) إثبات الهداة: ج3 ص 547 ح 541 ، بحار الاَنوار : ج 52 ص 370 ح 158 .
(10) بحار الاَنوار: ج52 ص315ح 10 .
(11) إثبات الهداة: ج3 ص556 ح 602 ، بحار الاَنوار : ج 51 ص 135 ح 3 .
(12) بحار الاَنوار: ج52 ص223 ح87.
(13) إثبات الهداة: ج3 ص575 ح 725 (ب 32 فصل 38).
(14) المجالس السنية للاَمين: ج5 ص711 .
(15)المجالس السنية للاَمين: ج5 ص724 .
(16) بحار الاَنوار: ج52 ص390 ح 212.
(17) الاِرشاد للمفيد ص361 ، بحار الاَنوار: ج52 ص290 ح 29.
(18) بحار الاَنوار: ج52 ص316 ح 12 .
(19) بحار الاَنوار: ج52 ص372 ح 164 .
(20) بحار الاَنوار: ج52 ص366 ح 146 .
(21) بحار الاَنوار: ج51 ص157 ح 4.
(22) أجود المناظرات ، للاشتهاردي : ص 417 ـ 425 .

نظرات

ارسال نظر

* فیلدهای ستاره دار حتما بایستی مقدار داشته باشند.