فخرج منها خائفاً يترقب:

فخرج منها خائفاً يترقب:

وفي نفس الصفحة عن أبي رومان قال: (يبعث بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقتل من بني هاشم رجال ونساء، فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض(المنصور) من المدينة إلى مكة فيبعث في طلبهما، وقد لحقا بحرم الله وأمنه). وفي مستدرك الحاكم:4/442، أن أهل المدينة يخرجون منها بسبب بطش السفياني وأفاعيله! وعن الإمام الباقر عليه السلام في حديث جابر بن يزيد الجعفي قال: (ويبعث (أي السفياني) بعثاً إلى المدينة فيقتل بها رجلاً، ويهرب المهدي والمنصور منها، ويؤخذ آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم صغيرهم وكبيرهم، ولايترك منهم أحد إلا حبس. ويخرج الجيش في طلب الرجلين). (البحار:52/223). وهذا الرجل الذي يقتله جيش السفياني غير الغلام الذي ورد أنه يقتل في المدينة، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يا زرارة لابد من قتل غلام بالمدينة. قلت: جعلت فداك أليس يقتله جيش السفياني؟ قال: لا، ولكن يقتله جيش بني فلان، يخرج حتى يدخل المدينة فلا يدري الناس في أي شيء دخل، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغياً وعدواناً وظلماً لم يمهلهم الله عز وجل، فعند ذلك فتوقعوا الفرج). (البحار:52/147)، وتسمي بعض الروايات هذا الغلام النفس الزكية، وهو غير النفس الزكية الذي يقتل في مكة قبيل ظهور المهدي عليه السلام. ويظهر من هذه الأحاديث وغيرها أن سلطة الحجاز الضعيفة تنشط في تتبع الشيعة في الحجاز وفي المدينة خاصة، وتقتل الغلام النفس الزكية، إما لمجرد أن اسمه محمد بن الحسن، الذي يصبح معروفاً عند الناس أنه اسم المهدي عليه السلام، وإما لأنه يكون من الأبدال المتصلين بالمهدي عليه السلام. ثم يدخل جيش السفياني فيتابع نفس السياسة ولكن بإرهاب وبطش أشد، فيعتقل كل من يحتمل أن يكون له علاقة ببني هاشم، ويقتل الرجل الذي اسمه محمد وأخته فاطمة، لمجرد أن اسمه محمد واسم أبيه حسن أيضاً! وفي هذه الظروف الملتهبة يخرج الإمام المهدي روحي فداه من المدينة خائفاً يترقب، على سنة موسى عليه السلام كما تذكر الروايات، يرافقه أحد أصحابه التي تسميه الرواية المتقدمة المنصور وفي رواية أخرى المنتصر، ولعل اسم المبيض الذي ورد في الرواية المتقدمة تصحيف المنتصر. وذكرت رواية أخرى أنه يخرج من المدينة بتراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيه سيفه، ودرعه، ورايته، وعمامته، وبردته. ولم أجد في مصادرنا الشيعية تحديداً لوقت خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة، ولكن المنطقي أن يكون ذلك بعد النداء السماوي في رمضان أي في موسم الحج. وأذكر أني رأيت في رواية أن دخول جيش السفياني إلى المدينة يكون في شهر رمضان. وفي رواية المفضل بن عمرو الطويلة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (والله يا مفضل كأني أنظر إليه دخل مكة، وعلى رأسه عمامة صفراء، وفي رجليه نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المخصوفة، وفي يده هراوته، يسوق بين يديه أعنزاً عجافاً حتى يصل بها نحو البيت. ليس ثَمَّ أحد يعرفه). (بشارة الإسلام ص 267). ومع ضعف سند هذه الرواية، إلا أن استنفار أجهزة الأعداء في البحث عنه عليه السلام، وكونه في غيبة واختفاء يشبه الغيبة الصغرى واختفاءها، يجعل هذه الرواية وأمثالها أمراً معقولاً. ومن الطبيعي أن يكون موسم الحج في سنة الظهور حيوياً ساخناً! فما تذكره الأحاديث الشريفة عن وضع الصراع العالمي، وأوضاع البلاد الإسلامية، وتوتر الوضع في الحجاز، وإعلان حالة الطوارئ فيه بدخول جيش السفياني.. كلها تجعل موسم الحج على الحكام عبئاً مخيفاً، فلا بد أنهم سيخفضون عدد الحجاج إلى أقل عدد ممكن، ويحشدون في مكة والمدينة، من القوات والأجهزة الأمنية، كل ما يستطيعون! ولكن ذلك لايمنع الشعوب الإسلامية أن تركز أنظارها على مكة المقدسة، تنتظر ظهور المهدي عليه السلام منها، فيتحمس مئات الألوف، وربما الملايين من المسلمين لأن يحجوا في ذلك العام، ويتمكن عدد كبير منهم أن يصل إلى مكة، رغم العقبات التي تضعها أمامهم دولهم ودولة الحجاز. وسيكون السؤال المحبب بين الحجاج: ماذا سمعت عن أمر المهدي؟ ولكنه يكون سؤالاً خطيراً أيضاً يطرحه الحجاج بينهم سراً، ويتناقلون آخر الأخبار والشائعات حوله همساً، وآخر إجراءات حكومة الحجاز وجيش السفياني! إن الرواية التالية تصور حالة المسلمين في العالم، وحالة الحجاج، في انشغالهم بأمر المهدي عليه السلام وبحثهم عنه. ففي مخطوطة ابن حماد ص95 قال: (حدثنا أبو عمر، عن ابن أبي لهيعة، عن عبد الوهاب بن حسين، عن محمد بن ثابت، عن أبيه، عن الحارث بن عبد الله، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إذا انقطعت التجارات والطرق وكثرت الفتن، خرج سبعة رجال علماء من أفق شتى على غير ميعاد، يبايع لكل رجل منهم ثلاثماية وبضعة عشر رجلاً، حتى يجتمعوا بمكة، فيلتقي السبعة فيقول بعضهم لبعض: ما جاء بكم؟ فيقولون جئنا في طلب هذا الرجل ينبغي أن تهدأ على يديه هذه الفتن، ويفتح الله له القسطنطينية، قد عرفناه باسمه واسم أبيه وأمه وحليته، فيتفق السبعة على ذلك فيطلبونه بمكة فيقولون له: أنت فلان بن فلان؟ فيقول: لا، بل أنا رجل من الأنصار، حتى يفلت منهم، فيصفونه لأهل الخبرة والمعرفة به، فيقال هو صاحبكم الذي تطلبونه وقد لحق بالمدينة، فيطلبونه بالمدينة، فيخالفهم إلى مكة، فيطلبونه بمكة فيصيبونه فيقولون: أنت فلان بن فلان، وأمك فلانة بنت فلان، وفيك آية كذا وكذا، وقد أفلت منا مرة فمد يدك نبايعك. فيقول: لست بصاحبكم، أنا فلان بن فلان الأنصاري، مروا بنا أدلكم على صاحبكم، فيفلت منهم فيطلبونه بالمدينة فيخالفهم إلى مكة فيصيبونه بمكة عن الركن فيقولون: إثمنا عليك ودماؤنا في عنقك إن لم تمد يدك نبايعك، هذا عسكر السفياني قد توجه في طلبنا، عليهم رجل من حرام، فيجلس بين الركن والمقام، فيمد يديه فيبايع له، ويلقي الله في صدور الناس، فيسير مع قوم أسد بالنهار رهبان بالليل). وفي هذه الرواية نقاط ضعف في سندها ومتنها، من ذلك قضية فتح القسطنطينية التي بقيت لقرون عقدة عسكرية وسياسية أمام المسلمين، ومصدر تهديد لجزء من الدولة الإسلامية، حتى فتحها السلطان محمد الفاتح قبل نحو500 سنة. وقد روى المسلمون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم روايات تبشر بفتحها، تحتاج إلى تحقيق في صحتها وسقمها. وما يخص موضوعنا منها الروايات التي تذكر أن فتحها يكون على يد المهدي عليه السلام كما في هذه الرواية، فيحتمل أن يكون ذكر فتحها على يد المهدي عليه السلام من إضافة بعض الرواة باعتبار أنه عليه السلام يحل مشكلات المسلمين الكبرى، وقد كانت القسطنطينية من مشكلاتهم الكبرى. كما يحتمل أن يكون المقصود بالقسطنطينية في أحاديث المهدي عليه السلام، عاصمة الروم التي تكون في زمان ظهوره عليه السلام ، والمعبر عنها في بعض الروايات بالمدينة الرومية الكبيرة، والتي ورد أنه عليه السلام وأصحابه يحاصرونها ويفتحونها بالتكبير. ولكن، مهما يكن أمر هذه الرواية وحتى لو كانت موضوعة، فهي نص لمؤلف معروف كتبه قبل نحو ألف ومئتي سنة، فوفاة ابن حماد سنة 227، وقد نقله عن تابعين قبله، فهو يكشف على الأقل عن تصور رواته للحالة السياسية العامة في سنة ظهور المهدي عليه السلام ، وعن انتشار خبره عند المسلمين وتطلعهم إليه وبحثهم عنه. على أن أكثر مضامينها وردت في روايات أخرى، أو هي نتيجة منطقية لأحداث نصت عليها روايات أخرى. ومجيء هؤلاء العلماء السبعة إلى مكة في تلك الظروف يدل على شدة تطلع المسلمين إلى ظهوره عليه السلام من مكة، وتوافد ممثليهم إليها للبحث عنه، وأخذ كل واحد منهم البيعة من ثلاث مئة وثلاثة عشر من المؤمنين بالمهدي عليه السلام في بلده، المستعدين للتضحية معه.. يدل على الموجة الشعبية في المسلمين، وحماسهم لأن يكونوا أنصاره وأصحابه الموعودين، على عدة أهل بدر. وأما ما تذكره الرواية من إفلات المهدي عليه السلام منهم مرة بعد أخرى، فلا يخلو من ضعف، ولعل أصله ما ورد في مصادر الشيعة والسنة من أنه عليه السلام يبايع وهو كاره، حتى أن أحد كبار أصحاب الإمام الصادق عليه السلام كان في نفسه شيء من هذه البيعة على إكراه، الواردة في حديث النبي وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم حتى فسر له الإمام الصادق عليه السلام معنى الإكراه بأنه غير الإجبار، فاطمأن. هذا عما يتعلق بحال المسلمين وتطلعهم إلى المهدي عليه السلام. أما عن مجريات عمله عليه السلام في مكة ومبايعة أصحابه له، فتدل الروايات على أنها تكون بنحو آخر، يختلف عما ورد في هذه الرواية. يجمع الله له أصحابه: ينبغي أن نلفت إلى عدة أمور في أصحاب الإمام المهدي عليه السلام. منها، أن عددهم الوارد في مصادر الفريقين أنه بعدد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدر، ثلاث مئة وثلاثة عشر، يدل على الشبه الكبير بين بعث الإسلام مجدداً على يده عليه السلام، وبعثه الأول على يد جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . بل ورد أن أصحاب المهدي عليه السلام تجري فيهم عدة سنن جرت على أصحاب الأنبياء الأوائل عليه السلام. فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (إن أصحاب موسى ابتلوا بنهر، وهو قول الله عز وجل: (إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ). وإن أصحاب القائم يبتلون بمثل ذلك). (البحار:52/332). ومنها، أن المقصود بهؤلاء الأصحاب خاصة أصحابه عليه السلام وخيارهم، وحكام العالم الجديد الذي يقوده الإمام المهدي عليه السلام. ولكنهم ليسوا وحدهم أنصاره وأصحابه، فقد ورد أن عدد جيشه الذي يخرج به من مكة عشر آلاف أو بضعة عشر ألفاً، وجيشه الذي يدخل فيه العراق ويفتح فيه القدس قد يبلغ مئات الألوف. فهؤلاء كلهم أصحابه وأنصاره، بل وملايين المخلصين له في عصره، من شعوب العالم الإسلامي. ومنها، أنهم من حيث التنوع، من أقطار العالم الإسلامي، ومن أقاصي الأرض، ومن آفاق شتى، ومن ضمنهم النجباء من مصر، والأبدال من الشام، والأخيار من العراق، وكنوز الطالقان وقم، كما تذكر الروايات. قال ابن عربي في الفتوحات المكية عن جنسياتهم: ( وهم من الأعاجم ما فيهم عربي، لكن لا يتكلمون إلا بالعربية)، لكن الأحاديث المتعددة تدل على أن فيهم العديد من العرب، ومنها الحديث المشهور: (فيهم النجباء من أهل مصر، والأبدال من أهل الشام، والأخيار من أهل العراق) (البحار:52/334)، ويشبهه ما في مخطوطة ابن حماد ص95 وغيره من المصادر. كما تدل روايات أيضاً على أن فيهم العديد من العجم، وأن عمدة جيشه عليه السلام من إيران. ومنها، أن بعض الروايات تذكر أن من بينهم خمسين امرأة كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام (البحار:52/223) وفي رواية ثلاث عشرة امرأة يداوين الجرحى. وفي ذلك دلالة على المكانة المهمة والدور العظيم للمرأة في الإسلام وحضارته، التي يقيمها الإمام المهدي عليه السلام، وهو دور معتدل مبرأ من الخشونة البدوية في النظرة إلى المرأة ومعاملتها، التي ما زالت موجودة في بلادنا، ومبرأ من إهانة المرأة وابتذالها في الحضارة الغربية. ومنها، ذكرت بعض الروايات أن أكثرية أصحابه عليه السلام شباب، بل ذكر بعضها أن الكهول فيهم قليلون جداً مثل الملح في الزاد، كالحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (أصحاب المهدي شباب لاكهول فيهم إلامثل كحل العين والملح في الزاد، وأقل الزاد الملح). (البحار:52/334). ومنها، أنه وردت أحاديث كثيرة في مصادر الفريقين في مدحهم، وبيان مقامهم العظيم ومناقبهم، وأنه يكون مع المهدي عليه السلام صحيفة فيها عددهم وأسماؤهم وصفاتهم، وأنهم تطوى لهم الأرض، ويذلل لهم كل صعب، وأنهم جيش الغضب لله تعالى. وأنهم أولو البأس الشديد الذين وعد الله تعالى أن يسلطهم على اليهود في قوله تعالى: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيد). وأنهم الأمة المعدودة الموعودة في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ). وأنهم خيار الأمة مع أبرار العترة، وأنهم الفقهاء والقضاة والحكام، وأن الله يؤلف بين قلوبهم فلا يستوحشون من أحد، ولا يفرحون بأحد دخل فيهم، أي لا تزيدهم كثرة الناس حولهم أنساً ولا إيماناً. وأنهم أينما كانوا في الأرض يرون المهدي عليه السلام وهو مكانه ويكلمونه! وأن أحدهم يعطى قوة أربعين رجلاً، أو ثلاث مئة رجل! بل ورد أنهم أفضل من أصحاب جميع الأنبياء عليه السلام ، ففي بصائر الدرجات للصفار(ره) ص104: (عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللهم لقني إخواني مرتين، فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا، إنكم أصحابي، وإخواني قوم من آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني، لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم، من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، لأحدهم أشد بقية على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغضا. أولئك مصابيح الدجى ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة). وفي صحيح مسلم النيسابوري:1/150: (وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال! أناديهم ألا هلمَّ، فيقال إنهم قد بدلوا بعدك! فأقول سحقاً سحقاً!). انتهى. إلى آخر ما ذكرت الأحاديث الشريفة من خصائصهم وكراماتهم. وذكرت بعض الروايات أن أهل الكهف يبعثون ويكونون منهم، وأن منهم الخضر وإلياس عليه السلام. وذكرت الروايات أن بعض الأموات يحيون بأمر الله تعالى ويكونون منهم. ومنها، أن الروايات تدل على أنهم يكونون قرب ظهوره عليه السلام ثلاث مجموعات أو فئات: فئة تدخل معه مكة، أو تصل إليها قبل الآخرين. وفئة يسيرون إليه في السحاب أو الهواء، وفئة يبيتون ذات ليلة في بيوتهم في بلادهم فلا يشعرون إلا وهم في مكة. فعن الإمام الباقر عليه السلام قال: (يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب وأشار إلى ناحية ذي طوى (وهي من شعاب مكة ومداخلها)، حتى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتى يلقى بعض أصحابه فيقول: كم أنتم هاهنا؟فيقولون:نحو من أربعين رجلاً فيقول كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: والله لو يأوي الجبال لأوينا معه! ثم يأتيهم من القابلة فيقول لهم: أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشرة. فيشيرون له إليهم، فينطلق بهم حتى يأتوا صاحبهم، ويعدهم إلى الليلة التي تليها). (البحار:52/341). والظاهر أن منظور الرواية غيبته عليه السلام في الفترة القصيرة التي تسبق ظهوره. وأن هؤلاء الأصحاب غير الأبدال الذين يكونون معه، أو على صلة به، وغير الاثني عشر الذين يجمع كل منهم على أنه قد رآه فيكذبونهم، بل يكونون من الأخيار الباحثين عنه، من أمثال العلماء السبعة الذين تقدم ذكرهم. وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يقبل القائم عليه السلام في خمسة وأربعين رجلاً من تسعة أحياء: من حي رجل، ومن حي رجلان، ومن حي ثلاثة، ومن حي أربعة، ومن حي خمسة، ومن حي ستة، ومن حي سبعة، ومن حي ثمانية، ومن حي تسعة. ولا يزال كذلك حتى يجتمع له العدد). (البحار:52/309). والمقصود أنه يقبل في مقدمات ظهوره، أو يقبل إلى مكة، ولا يبعد أن تكون المجموعتان المذكورتان في الروايتين مجموعة واحدة، وهي التي تصل إلى مكة قبل بقية الأصحاب. ويبدو أن أصحابه المفقودين عن أفرشتهم، الذين ينقلون من بلادهم إلى مكة برمشة عين بقدرة الله عز وجل أفضل من الذين يصلون قبلهم. أما الذين يسيرون إليه نهاراً في السحاب كما تذكر الروايات، ويكونون معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم، أي يأتون إلى مكة بشكل طبيعي لا يثير الناس، فهم أفضل أصحابه على الاطلاق! ولا يبعد أن يكونوا هم الأبدال الذين يعيشون معه، أو يقومون بأعماله في أنحاء العالم، ويعرفون موعد ظهوره بالتحديد، فيصلون في الموعد. فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: ( إن صاحب هذا الأمر محفوظة له أصحابه، لو ذهب الناس جميعاً أتى الله بأصحابه، وهم الذين قال فيهم الله عز وجل: (فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِين). وهم الذين قال الله فيهم: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البحار:52/370) وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: (منهم من يفقد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكة، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً، يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه. قلت: جعلت فداك أيهم أعظم إيماناً؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً). (البحار:52/368). ومعنى سيرهم في السحاب نهاراً أن الله تعالى ينقلهم إلى مكة بواسطة السحاب على نحو الكرامة والإعجاز، كما يحتمل أن يكون معناه مجيؤهم بواسطة الطائرات كسائر المسافرين، بجوازات سفر بأسمائهم وأسماء آبائهم، وتكون الأحاديث الشريفة عبرت بذلك لأن الطائرات لم تكن موجودة. ولعل السبب في أن هؤلاء أفضل من المفقودين عن فرشهم ليلاً، أنهم الأبدال الذين يعملون معه عليه السلام كما أشرنا، أو أصحاب اتصل بهم قبل غيرهم في تلك الفترة وكلفهم بأعمال، بينما المفقودون عن فرشهم يبيتون تلك الليلة وواحدهم لا يعلم أنه عند الله تعالى أحد أصحاب الإمام المهدي عليه السلام، ولكن مستوى تقواهم وعقلهم ووعيهم يؤهلهم لهذا المقام العظيم، فيصطفيهم الله تعالى، وينقلهم ليلاً إلى مكة المكرمة، ويتشرفون بخدمة المهدي عليه السلام. وقد ورد في بعض الروايات أنهم بينما يكونون نائمين على أسطح منازلهم إذ يفتقدهم ذو وهم وينقلهم الله إلى مكة. وفيها إشارة إلى أن ظهوره عليه السلام يكون في فصل الصيف أو بين الصيف والخريف كما سنشير إليه، وإشارة إلى أن عدداً من هؤلاء المفتقدين عن فرشهم يكونون من أهل المناطق الحارة التي ينام أهلها على سطوح منازلهم أو في ساحاتها. وقد ورد أن اجتماعهم في مكة يكون في ليلة جمعة ليلة التاسع من شهر محرم، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يجمعهم الله في ليلة جمعة، فيوافونه صبيحتها إلى المسجد الحرام ولايتخلف منهم رجل واحد) (بشارة الإسلام ص210). وهو ينسجم مع ما ورد في مصادر الفريقين من أن الله تعالى يصلح أمر المهدي عليه السلام في ليلة واحدة، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (المهدي منا أهل البيت يصلح الله أمره في ليلة. وفي رواية أخرى: يصلحه الله في ليلة) (البحار:52/280) لأن تجميع أصحابه من ألطاف الله تعالى في إصلاح أمر وليه. وينسجم أيضاً مع الروايات المتعددة التي تحدد بداية ظهوره في مساء يوم الجمعة التاسع من محرم، ثم في يوم السبت العاشر من محرم.

نظرات

ارسال نظر

* فیلدهای ستاره دار حتما بایستی مقدار داشته باشند.