الانتظار الواعي و مسئوليتنا تجاه الدولة العالمية (عج)

الانتظار الواعي و مسئوليتنا تجاه الدولة العالمية (عج)

 

بسم الله الرحمنالرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
وما من شك أن قضية الإمام المهدي (عليه السلام)  تتأثر بالتحولات العالمية والظروف الموضوعية المختلفة. وترتبط بموقفنا منها, ومدى استعدادنا لتقبلها والمشاركة في إنجازها. وإدراكا لضرورة السعي الحثيث في اتجاه الدولة المهدوية المباركة, والابتعاد عن التكاسل والرتابة والخمول, والتنصل عن المسؤوليات الشرعية الملقاة على عواتقنا كمنتظرين لها.
ارتأينا أن نقدم في هذا البحث رؤية واضحة عن مفهوم الانتظار, وأهميته, وثمراته وأثره على حركة الممهدين, أو الموطئين للظهور. وحاولنا من خلال البحث أن نتطرق لمسؤولياتنا تجاه الدولة العالمية المباركة للإمام المهدي (عليه السلام), طبقا لمعطيات الواقع المعاش, والروايات والنصوص الإسلامية الشريفة. ونأمل أن يكون ذلك خطوة في طريق التمهيد للمصلح الكبير, الحجة بن الحسن المنتظر, وأن يحظى برضى الله ورضاه, وأن ينفع به المؤمنين بغيبته وظهوره.
الانتظار الواعي
الانتظار في المصادر الإسلامية
لقد أكد الإسلام على مسألة الانتظار كثيراً. وذلك لما تتميز به من أهمية فائقة, وآثار كبيرة على شخصية الفرد والمجتمع المسلم. ونعني بالانتظار انتظار الفرج الإلهي عندما تشتد المحن, وتضيق السبل بالإنسان. وذلك لأن الانتظار يعطي الإنسان حيوية خاصة, ويغمر قلبه بالأمل, ويغسل عنه أدران اليأس والإحباط.
فالحياة الدنيا مليئة بالمكدرات والمنغصات والشدائد. وهذه هي طبيعة الحياة الدنيا, إذ أنها لم تخلق للراحة والاستقرار, وإنما خلقت للابتلاء والاختبار, وهما يستلزمان هذا القدر من المصائب والمحن, حتى يتميز الخبيث من الطيب. وما دام أن الإنسان لم يسر على جادة الشريعة, ويحبس نفسه على ذات الله, ولم يتوفر له المجتمع الصالح الفاضل, والحكومة العادلة الكاملة فإنه سوف يبقى يعاني ويعاني من مشاكل الحياة الدنيا. فكثير من المحن والمشاكل التي تلم بالمرء إنما هي ناتجة عن ذلك. وفي بعض الأحيان يطبق البلاء صفحتيه على الإنسان, ويسد عليه طريق الخلاص, بحيث يبدو أنه لا منقذ له من ورطته, ولا مخلص له من حيرته فيستسلم لليأس والقنوط, ويصاب بالإحباط, فتشل جميع حركته.
وما لم يؤمن الإنسان بقوة غيبية قادرة وقاهرة تستطيع تخليصه من المشاكل المحيطة به, سيظل حبيس هذا اليأس والقنوط. وحينئذ سينعكس ذلك سلبياً على حركته في الحياة, فتتعطل كل طاقاته ونشاطه, وينتهي إلى الضياع في حياته الدينية والدنيوية.أما إذا آمن بالغيب, وأدرك بأن هناك قوة هي فوق القوى, وقدرة لا متناهية تسيطر على الكون وتتحكم فيه, وأمرها إذا أرادت شيئا أن تقول له كن فيكون, أو كلمح بالبصر, وقد وعدته العون, وعاهدته على المساعدة, فإنه حينئذ لا يستسلم لأمواج اليأس العاتية, وإنما يظل مرابطاً صابراً, منتظراً للمدد الإلهي, والعون الرباني. وهذه هي القيمة الكبرى لانتظار الفرج.
من هنا تجد أن الإنسان المؤمن لا يقنط ولا ييأس مهما ادلهمت الخطوب واعصوصب الأمر, كالجبل الشامخ الذي تمر عليه الرياح والأعاصير دون أن تنال من صلابته وشموخه, أو كالوتد كلما ازداد عليه الضرب ازداد ثباتاً في الأرض. وما ذاك إلا لثقته بالله وانتظاره لفرجه, حتى وكأنه ينظر إلى أكبر الخطوب على أنه سحابة صيف سرعان ما تنقشع. بخلاف الكافر الذي ينهار بمجرد أن تسد بوجهه الطرق الطبيعية فيستسلم للقنوط, ويتبعثر بعواصف اليأس, وكثيراً ما ينهي حياته بالانتحار. وذلك لأنه ليس لديه طريق آخر ينتظره غير العوامل المادية. يقول تعالى: ?وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِإِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ?.  فالإنسان الكافر هو الذي يصاب باليأس والقنوط. أما المؤمن فروحه دائماً مطمئنة, إذ أن الإيمان هو الذي يبعث في نفس الإنسان السكينة والاطمئنان حتى في أحرج اللحظات: ?جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْوَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّنكُلِّ بَابٍ?.
من هنا نلحظ أهمية الانتظار وفضيلته التي تحدثت بها الأخبار. حيث قد وردت في مدح الانتظار عشرات الروايات الشريفة. فعن النبي الأكرم (صلي الله عليه واله وسلم): {أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج}. وعنه(صلي الله عليه واله وسلم) أيضاً:
{انتظار الفرج عبادة}.
وهكذا يسأله بعض الأشخاص عن أحب الأعمال إلى الله؟ فقال (صلي الله عليه واله وسلم): {انتظار الفرج}.
وعن الإمام زين العابدين (عليه‏السلام):{انتظار الفرج من أعظم الأعمال}. وعن أمير المؤمنين (عليه‏السلام): {انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله فإن أحب الأعمال إلى الله انتظار الفرج}.
وعن الإمام الرضا (عليه‏السلام): {ما احسن الصبر وانتظار الفرج أما سمعت قول العبد الصالح: وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ}.
ونلمس من هذه الروايات الشريفة ومن غيرها أهمية الانتظار في الإسلام, وكونه من أفضل وأعظم واحب الأعمال إلى الله. وما ذلك إلا لأنه يعطي الإنسان القدرة كي يستمر في العمل, ولولاه لانشلّت حركته, وترك الإعمال جانباً واستسلم لليأس, وأيضاً لأنه يحكي مقدار إيمان الإنسان بربه, ومدى ثقته بخالقه.
انتظار الامام المهدي
يحظى انتظار الإمام المهدي (عليه السلام) بفضل وأهمية أكبر من غيره كما تحدثنا الروايات الشريفة. أي أن الانتظار في عصر الغيبة له امتياز خاص. نقرأ مثلاً في الحديث الشريف عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): {ما ضر من مات منتظراً لأمرنا ألاّ يموت في وسط فسطاط المهدي وعسكره}. أي أن الذي يموت منتظراً كمن يموت شهيداً في معسكر القائم.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): {واعلموا أن المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم}.
وعنه (عليه السلام)  أيضاً: {من مات وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه. ثم مكث هنيئة, ثم قال: لا بل كمن قارع معه بسيفه. ثم قال: لا والله إلاّ  كمن استشهد مع رسول الله (صلي الله عليه واله وسلم)}.
وبعض الأحاديث تجعل انتظار أمرهم (عليه السلام) ( وهو ما يعبر به عادة عن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)) من أساسيات الدين. في الحديث عن أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
- يا بن رسول الله هل تعرف مودتي لكم وانقطاعي إليكم, وموالاتي إياكم؟
- فقال: نعم.
- فقلت: فإني أسألك مسألة تجيبني فيها فإني مكفوف البصر, قليل المشي, ولا أستطيع زيارتكم كل حين؟
- قال : هات حاجتك.
- فقلت أخبرني بدينك الذي تدين الله عز وجل به أنت وأهل بيتك, لأدين الله عز وجل به.
- قال إن أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة. والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله عز وجل به: شهادة أن لا إله إلا الله, وأن محمدا رسول الله (صلي الله عليه واله وسلم), والإقرار بما جاء به من عند الله, والولاية لولينا, والبراءة من عدونا, والتسليم لأمرنا, وانتظار قائمنا, والاجتهاد والورع .
وعن أبي خالد الكابلي, عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حديثه عن القائم عجل الله تعالى فرجه: {يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته, والقائلين بإمامته, والمنتظرين لظهوره, أفضل من أهل كل زمان, لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة, وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلي الله عليه واله وسلم) بالسيف. أولئك المخلصون حقاً وشيعتنا صدقاً والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً, قال: انتظار الفرج أعظم من الفرج}.
من هذه الروايات الشريفة نلمس أن لانتظار الإمام المهدي (عليه السلام)  فضيلة خاصة,  تميزه عن سائر أفراد الانتظار الأخرى, وأن المنتظرين للإمام المهدي (عليه السلام)  هم أفضل من المنتظرين الآخرين.
وفلسفة ذلك ترجع إلى أن الانتظار في عصر الغيبة الكبرى يعبر عن المستوى الإيماني الكبير للإنسان المنتظر للإمام المهدي (عليه السلام). فإيمان الناس في عصر الغيبة له امتياز خاص يميزه عن الإيمان في عصر الظهور. إذ أن الإيمان في عصر الظهور يكون أيسر على الناس , لوجود النبي (صلي الله عليه واله وسلم) والوحي المبين والأئمة الهداة الميامين سلام الله عليهم أجمعين, الذين يتصلون بالناس, ويرشدونهم, ويقيمون لهم الدلائل على صدقهم. أما الناس في عصر الظهور فهم إنما يؤمنون على حبر على بياض كما في الرواية الشريفة عن الصادق (عليه السلام)  عن آبائه (عليه السلام)  قال النبي (صلي الله عليه واله وسلم) لعلي (عليه السلام): {يا علي واعلم أن اعظم الناس يقيناً قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي وحجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد في بياض}.
وهكذا روى عبد الله بن سنان, عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: {قال رسول (صلي الله عليه واله وسلم): سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم}. قالوا يا رسول الله : نحن كنا معك ببدر وأحد وحنين, ونزل فينا القران؟! فقال: {إنكم لو تحملون ما حملوا لم تصبروا صبرهم}.
وعن أبي بصير, عن أبي جعفر (عليه السلام)  قال: قال رسول الله (صلي الله عليه واله وسلم) ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللهم لقني إخواني مرتين. فقال له من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول الله؟
فقال (صلي الله عليه واله وسلم): لا. إنكم أصحابي, وإخواني قوم في آخر الزمان آمنوا ولم يروني. لقد عرفنيهم الله بأسمائهم,  وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم. لأحدهم أشدّ بقية على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء, أو كالقابض على جمر الغضا. أولئك مصابيح الدجى ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة.
فإيمان الإنسان في عصر الغيبة ليس بالأمر اليسير. وذلك إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار بُعد الناس عن الأئمة المعصومين, وعن عصر التشريع, واختلاف الروايات, وعدم الاطمئنان إلى صحتها جميعاً, وتعرضهم لضغوط فكرية متمثلة بتيارات الإلحاد, والعلمانية, التي راحت تشكّك بكل المتبنيات الدينية والثوابت الرسالية, وتمارس عملها بجو من الحرية, مستفيدة من تقنيات العصر الحديث التي لا يمكن تحجيمها أو السيطرة عليها. وأخرى سياسية متمثلة في محاربة حكام الجور للمؤمنين الملتزمين بإيمانهم, ومحاربة رموز الوعي في المجتمع الإسلامي, ومحاربتهم لكل ما هو إسلامي بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وضغوط أخلاقية متمثلة بدواعي الفساد المتناثرة في أرجاء المجتمع, والتي وصلت إلى حد من الابتذال, بحيث راحت تطارد الإنسان في البيت والشارع والمدرسة وفي كل مكان. وهي ضغوط وإغراءات لا يمكن لأحد أن يقف أمامها, إلا من أوتي بصيرة في الدين, وروحاً من اليقين, وإرادة لا تلين.
أمام كل ذلك عندما يبقى الإنسان مؤمناً بالله ورسالاته ونبيه وما جاء به, وبإمامه, ويبلغ إيمانه درجة عليا بحيث يؤمن بوجود الإمام, الذي سيعيد الإسلام إلى ساحة الحياة, بعد يأس طويل, ويعتقد بكونه حياً كل هذه القرون المتمادية, وبكونه غائباً لا يمكن لأحد أن يصل إليه, كل ذلك يجعل من الإنسان المنتظر إنساناً مثالياً رائعاً. خصوصاً مع كل التشكيكات التي تصدر من هنا وهناك, والتي تستهزء بالذين يؤمنون بالمهدي وبولادته وغيبته وحياته كل هذه السنين. وكلما ازداد الزمان ولم يظهر الأمام المهدي (عليه السلام) ازداد تشكيك الناس به, وتكذيبهم لأمره.
ففي أجواء التكذيب والتشكيك والتضليل المدروس والاستهزاء والإنكار, وطول المدة, وتراجع المتراجعين, وأمام كل الضغوط الفكرية والنفسية والجسمية التي يتعرض لها المؤمنون, من الصعب حينئذ أن يحافظ الإنسان في هذه الأجواء على استقامته, ويبقى منتظراً لإمامه, ويتجاوز كل دواعي السقوط معتمداً على انتظار الفرج. فإذا ظل رغم هذه الضغوط المتعددة مستقيماً ثابتاً فإنه ولا شك رجل عظيم يستحق كل أوسمة الفخر والثناء التي ذكرتها الروايات الشريفة. وهذا ما أشارت إليه الروايات الشريفة.
فعن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)  يقول: {إياكم والتنويه. أما والله ليغيبن إمامكم سنيناً من دهركم, ولتمحصن حتى يقال مات, قتل هلك, بأي واد سلك. ولتدمعن عليه عيون المؤمنين, ولتكفؤن كما تكفأ السفن في أمواج البحر, فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه, وكتب في قلبه الإيمان, وأيده بروح منه}.
وعن زرارة عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): {إن للغلام غيبة قبل أن يقوم ... وهو المنتظر الذي يشك في ولادته. منهم من يقول مات أبوه بلا خلف, ومنهم من يقول حمل, ومنهم من يقول إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين, وهو المنتظر. غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة.  فعند ذلك يرتاب المبطلون ...}.
وعن الإمام الحسين (عليه السلام): {منا اثنا عشر مهدياً. أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, وأخرهم التاسع من ولدي. وهو الإمام القائم, يحي به الله الأرض بعد موتها, ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون. له غيبة يرتد فيها أقوام ويثبت على الدين فيها آخرون. فيوذون ويقال لهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله (صلي الله عليه واله وسلم)}.
وعن الإمام الكاظم (عليه السلام): {له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون. ثم قال: طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبنا في غيبة قائمنا, الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا, أولئك منا ونحن منهم. قد رضوا بنا أئمة, ورضينا بهم شيعة, وطوبى لهم. هم والله معنا في درجتنا يوم القيامة}.
وعن الإمام الجواد (عليه السلام): {... له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون, وينكره المرتابون ويستهزء به الجاحدون, ويكذب فيها الوقاتون, ويهلك فيها المستعجلون, وينجو فيها المسلمون}.
وعن ابن عباس, عن الرسول الأكرم (صلي الله عليه واله وسلم): {والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً إن الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر}.
فهناك الكثير من الناس سوف يسقطون في الامتحان, ويبقى القليل منهم على إيمانه وانتظاره. وسوف يمر علينا في الأخبار المصائب والمحن التي ستحل بالعصبة المؤمنة, حتى يتمنى المتمني الموت صباحاً ومساءاً, مما تؤدي بالنفوس أن تستسلم لتيار اليأس, وتمسح منها كل ومضة أمل. فمع هذه الظروف العصيبة التي لم يشهد لها المؤمنون مثيلاً في تاريخهم الطويل, ويبقى الإنسان منتظراً للفرج حقاً إن انتظاره هذا الذي يكشف عن صبره وصلابته لهو موضع تقدير.
ومما يزيد من أهمية انتظار الإمام المهدي (عليه السلام)  كما يرى السيد محمد الصدر( ره ) هو كونه مشاركة في المشروع الإلهي الكبير الذي أعدّه للبشرية على يدي القائم عجل الله فرجه. « ونستطيع بكل وضوح أن نعرف لماذا أصبح هذا الانتظار أساساً من أسس الدين .. لأنه مشاركة في الغرض الأساسي لإيجاد البشرية. ذلك الغرض الذي شارك فيه ركب الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. إذن , فهذه الأخبار لا يمكن أن يكون لها معنى إلا المشاركة في هذا الهدف الكبير». وسنعرف بعد قليل أن الانتظار الواعي له دور كبير في التمهيد للدولة العالمية المباركة.
فخلاصة الأمر: إن الروايات الشريفة جعلت كل هذه الفضيلة لانتظار الإمام المهدي (عليه السلام), وميزته في مكانته عن سائر أفراد الانتظار, لأجل أن الانتظار في زمن الغيبة يكشف أولاً مستوى الإيمان واليقين في نفوس المنتظرين من خلال إصرارهم على انتظار الإمام المهدي (عليه السلام) رغم كل دواعي السقوط المتقدمة. ويكشف ثانياً مقدار الصبر والصلابة والاستقامة التي يتمتع بها المنتظرون في مقابل المصائب التي لم يمر بها الناس قبل الغيبة, قبل آخر الزمان. ولأنه مشاركة في أكبر مشروع وهدف إلهي على طول التاريخ.
الانتظار الواعي
قد يسيئ البعض فهم الانتظار, فيحسبه نوعا من السكون والخمول, وترك الأمور لسبيل حالها, والجلوس في البيوت, والدعاء بتعجيل الفرج. فيعطي الانتظار دوراً تعطيلياً سلبياً في الحياة. كالمريض الذي يأخذ بعض المهدئات لتخفيف آلامه ومتاعبه. فهو يتخذ الانتظار كسلوى فقط لما يعانيه  في الحياة من متاعب ومصاعب. دون أن يتحدى المشاكل, ويسعى لحلها, منطلقاً من الأمل الذي يبثه الانتظار في نفسه. وهذا فهم خاطئ ومتخلف للانتظار.
المفروض بالانتظار أن يكون حالة إيجابية لا سلبية. أي يكون دافعاً ومحفّزاً نحو العمل والحركة والنشاط. لأنه يجدد الأمل في النفوس, ويزيل عنها غبار اليأس والإحباط, الذي يشلها عن الكدح والحركة في الحياة الدنيا. فلو فرضنا أن غريقاً التهمته أمواج البحر. تارة ينظر يميناً وشمالاً, ويحدق في الأفق فلا يرى أحدا يهب لنجدته, ويسعى لإنقاذه, فحينئذ يستولي عليه اليأس, ويعتمل في نفسه الشعور بعدم جدوى مقاومته ومصارعته للأمواج, فيستسلم لها, لتأخذه في طيّاتها إلى غير رجعة.
وتارة أخرى يلمح أملاً يلوح له في الأفق, ويرى قارب نجاة قد علم بحاله, وهو يسعى للحاق به وإنقاذه, فحينئذ سوف يدافع الموت, ويصارع الأمواج العاتية, ويقاوم إلى آخر نفس, ولن يستسلم. هذا هو الفرق بين الانتظار السلبي, والانتظار الإيجابي.
الانتظار الواعي هو أن نسعى ونتحرك نحو اليوم الموعود, لا أن نقعد وننتظر حركته نحونا. فإننا كلما تحركنا نحو اليوم الموعود أوشكنا أن نقترب منه.
ودعني أضرب مثالاً آخر لذلك:
لو أرخى الليل سدوله, وحل الظلام البهيم, وانقطع التيار الكهربائي, فغطانا الظلام بأبراده الدامسة, هل نجلس في الظلام, ونعطل كل أعمالنا, منتظرين رجوع التيار الكهربائي, الذي قد يستمر انقطاعه لفترة طويلة, لرداءة الأنواء الجوية. أم نوقد شمعة, أو فتيلا ً, لينير لنا بعض الظلمة التي نعيش فيها, وإن لم يكن بقوة المصباح الكهربائي. لا شك أن الإنسان العاقل هو الذي يختار الخيار الثاني دون تردد.
إذن: في فترة الغيبة وانتظار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف, علينا أن لا نعطل حركتنا, ونجلس في بيوتنا مع كل المشاكل التي تحيط بنا من كل جانب ومكان. فحتى الانتظار العادي يستلزم نوعاً من التهيئة والإعداد. فلو انتظرنا ضيفاً كريماً سيحل علينا فإننا سوف نهيئ الأمور ونعد البيت, ونهيئ له مستلزمات الراحة وكل ما يحتاجه الضيف. ولو كنا ننتظر حضور بعض المفتشين ولا نعلم متى يجيء, إذا كان يأتي بغتة, فلا بد لنا أن نكون دائماً مستعدين حتى لا نفاجأ به. هذا في أمورنا العادية فكيف بنا ونحن ننتظر مجيء المنقذ الإلهي الكبير, أليس حرياً بنا أن نعد أنفسنا وما حولنا لاستقباله؟. أليس علينا أن نقوم بالتمهيد للإمام المهدي (عليه السلام), الذي هو من أهم مسئولياتنا في عصر الغيبة؟.
 

نظرات

ارسال نظر

* فیلدهای ستاره دار حتما بایستی مقدار داشته باشند.