فاطمة سيدة النساء

فاطمة سيدة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم
سلام على ال ياسين
عندما نرجع بقطار الزمن إلى مئات السنين إنما نرجع لنستوحي المواقف والقيم التي تحتضن الحياة الكريمة، ونسترجع التاريخ تارة أخرى لنظهر للعالم سيرة شخصية، لعظيم من العظماء، كيف وإذا كانت هذه الشخصية عاشت في وقت عصيب، استطاعت أن تتفوق على مصاعب فترة انتقالية بين الجهل والحداثة.
في الثالث عشر من شهر جمادي الأول نعيش ذكرى استشهاد السيدة الزهراء عليها السلام، والتي تعتبر شخصية فريدة لم نقرأ أو نسمع عن أخرى غيرها تجلت فيها كل الصفات الحسنة، وانطلاقا من ذكرى استشهادها نستلهم من سيرتها أروع المعاني النبيلة لتنير لنا الطريق بين الماضي والحاضر لنصنع مستقبلنا.
السيدة الزهراء (ع) والتي تمر ذكرى وفاتها وهي في مظهر مشرق إنساني يحمل كل الفضائل الإنسانية، فتحت عينها على مظاهر الرسالة الإسلامية، وهي توجه دعوة إلى الإنسانية للسير في إحقاق الحق وإبطال الباطل، لتنطلق بعدها لتشاهد أروع البطولات بقيادة الرسول الأعظم (ص) وهو يصارع الوثنية والجاهلية، وبعبارة أخرى أن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام عاشت واستشهدت من أجل رسالة السماء، وعاشت لخدمة أبيها خاتم النبيين وسيد المرسلين، وزوجها وأولادها الائمة الطاهرين، وقد أفنت حياتها في خدمة الالرسالة والولاية.
كذلك لم تكن ابتهالات الرسول في جوف الليل وهو يدعو لقومه وأهله بالغفران والرحمة غائبة عن أسماع الزهراء (ع) فقد كانت رفيقته التي تؤمن له الدعاء، ولتتدرج حياة السيدة فاطمة (ع) بين ثنايا الوحي والرسالة الخالدة متغذية من روح أبيها (ص) لتحتضن في قلبها المكسور خطوات جبرائيل(ع) ذخرا ليوم إفاضة روحها الطاهرة وهي تفيض على الأرض ومن عليها بأخلاق النبوة والصفات الحميدة لتتطبع في وعي الأصالة النبوية.
أما مسيرتها التي واكبت فيها رسالة السماء فقد كانت السباقة بين نساء المسلمين، حيث أحست بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وقد جاء بالحديث الشريف الذي رواه الكليني في الكافي بسنده عن الإمام الصادق(ع) قال: لما جاءت فاطمة تشكو إلى رسول الله(ص) بعض أمرها، أعطاها كربة ـ أصل السعفه وكان يُكتب عليها ـ وقال تعلمي ما فيها .. فإذا فيها: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت.
كانت التلميذة الأولى وكانت تجلس عند الرسول حيث مهبط الوحي لتستمع بإمعان إلى أعظم نبي وهو يبين معاني الأمين جبرائيل ويعلمهما الأحكام والتشريعات.
أما على صعيد الوعظ والارشاد، فقد عمدت الزهراء عليه السلام إلى جمع كل ماسمعته من أحاديث وآيات من القرآن والكثير من الحكم والوصايا لتبثه في أوساط المجتمع الإسلامي، كما يذكر الكثير من المؤرخين أنها كانت تدير حلقات دراسية للنساء في الفقه والاصول والبلاغة وهذا ما أفرغت به من خلال خطبها في المسجد كأنها تفرغ عن لسان أبيها لتجسد من خلال هذه الخطبة وترسم أروع اللوحات الأدبية و لتبين أسرارا تشريعية وقوانين ربانية.
كما لم يخف أن السيدة الزهراء كانت تستقبل نساء المسلمين وتتحدث إلى رجالهن وتبين ذلك من حوارها في دفاعها عن خلافة علي (ع) وكانت تطوف على نساء المسلمين لتتحدث عن حق أمير المؤمنين (ع) بل إن حياتها القصيرة كانت مليئة بالمواقف الجهادية المشرقة على مختلف الأصعدة الاجتماعية.
إما في الجانب الروحي والعبادي فقد روي عن الإمام الحسن بن علي (ع)، قال: رأيتُ أُمّي فاطمة (ع) في محرابها ليلةً، فلم تزل راكعةً ساجدةً حتّى اتّضح عمودَ الصبح وسمعتُها تدعو للمؤمنينَ والمؤمناتِ وتُسمِّيهم وتكثرُ من الدعاءِ لهم، ولا تدعو لنفسِها بشيءٍ، فقلت لها: يا أُمّاهِ لِمَ لا تَدعينَ لنفسِك كما تَدعين لغيرِك؟ فقالت: يا بُنَيَّ الجارُ ثمّ الدار.
اما مشاركتها في ساحة الحرب فيذكر المؤرخون "لما جُرح رسول الله(ص) يوم أحد، جعل علي ينقل إليه الماء في درقته، ويغسله فلم ينقطع الدم، وهنا تقدمت فاطمة بدورها ، أقبلت"أم أبيها" على رسول الله لتعطه جرعة الحنان وجعلت تعانقه وتبكي، وأحرقت حصيراً وجعلت على الجرح من رماده فانقطع الدم.
لقد كانت حياة الزهراء زاخرة بالمواقف السياسية والاجتماعية وهي تمثل دور المعارضة للظلم، متجاوزة كل الآلام والمتاعب بشتى أنواعها لتمثل المرأة القوية والشجاعة وهي قنوعة بأمر الله وقضاءه لا تخاف في الله لومة لائم.
اما حياتها الشخصية فلم تعرف معنى للترف وهي في أسمى مراتب القداسة مرتفعة إلى مرتبة العصمة، لا تدنسها الشبهات والآثام مخلفة أعلى مراتب الرقي في العيش والارتباط مع الله لتكون أروع مثل لنسائنا وهذا ما يجسده لنا كلامها مع أبيها فلم يكن لها إلاّ جلد كبش حدّثت عنه أباها محمّداً (ص) وقالت له: والّذي بعثكَ بالحقِّ نبياً، مالي وَبعلي منذُ خمس سِنينَ إلاّ جِلْد كبشٍ نَفترشُه باللّيل ونعلّق عليه بعيرنا في النهار، وإنَّ مخدّتَنا حشوُها ليف.. حتى شاهدها أحد الأصحاب وبين يديها شعير وهي تطحن فيه وتقول: وما عندَ اللَّهِ خيرٌ وأبقى.
من خلال هذه القيم فأن حاجتنا للقدوة في عالم المغريات والشبهات والشهوات هي حاجتنا إلى مثل عليا ونموذجية وهي حاجتنا لكل عناصر الحياة التي توازن وتكمل فيها الشخصية.
عندما نتحدث عن السيدة الزهراء (عليها السلام) إنما نتحدث عن النموذج الأفضل للمرأة من خلال كل ماذكر من فضائل وخصوصيات وعلى اعتبارها النموذج الحي للمرأة في مختلف الجوانب الزوجية والبيتية والحركية في المجتمع، لتصنع مجتمع تجتمع فيه كل عناوين الإنسانية النبيلة، ولنتعلم منها كيفية تحمل المسؤولية تجاه الإنسانية وكيف يكون عطائنا للمجتمع، وان نتحمل مسؤولية نشر الثقافة الإسلامية الأصيلة من مفاهيم التسامح واللاعنف والأخوة الإسلامية.
وعندما نستذكر بضعة المصطفى لأنها رفضت كل أنواع الظلم الذي تتعرض له المرأة وهي منحصرة في دائرة ضيقة لم يتح لها فرصة التألق لتفيض على المجتمع باللطف والحنان ولتفجر طاقاتها وفق الموازين الشرعية والانسانية

نظرات

ارسال نظر

* فیلدهای ستاره دار حتما بایستی مقدار داشته باشند.