أهميّة إحياء ليالي القدر وكيفية الاستفادة من ملكوتها

أهميّة إحياء ليالي القدر وكيفية الاستفادة من ملكوتها

بسم الله الرحمن الرحيم

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تقبل الله طاعاتكم ووفقنا الله وإياكم للاستفادة من هذه المواسم الإلهية بحق محمد وآل محمد...

لا شكّ أنّ ليلة القدر هي ليلة واحدة, بل هي في الحقيقة لحظة واحدة, لحظة خارجة عن دائرة الزمان, هي لحظة الإبرام والتقدير الإلهيين, هي لحظة تحويل الأجل المسمّى إلى أجل مبرم كما في بعض الروايات, هي لحظة تجلّي الإرادة الإلهية المباركة, فهذه الإرادة تتجلى وتتنزّل في لحظات الزمان وآناته عبر قانون التجلي العام الذي يربط عوالم التجرّد بعوالم التدريجيات والزمانيات والماديات, فليلة القدر هي لحظة ـ كن الإلهيّة ـ التي: {فيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليم‏}, وحقيقة ليلة القدر هي رأس هرم القضاء المبرم الذي من شأنه أن يبدّل حقيقة الإنسان, لتلقي هذا التقدير الكبير والواسع والهائل, فليلة القدر (وما قبلها من الصيام وليالي شهر رمضان المبارك), بل وما قبلها من شهر شعبان ورجب... جميع هذه العوامل تقوم بتهيئة نفسية الإنسان لتصفية نفسه وتطهيرها وتهيئتها لتلقيّ هذا الفرقان الإلهي {فيها يفرق...}, والذي سينسجم مع رتبة الإنسان الإيمانيّة والسلوكيّة التي تحقّق بها, فتغيير الحال وتبديله وتقدير الخير والبلاء وتقدير المحن والفتن والنعم وكلّ شيء سيكون متناسباً مع مستوى نفس الإنسان, وسيكون مسانخاً ومجانساً لحقيقة النفس, بل هو في الحقيقة تجلّي للنفس, تحت قانون: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِم‏}, ففي كلّ عام يمنّ الله على الإنسان بالفيض والتقدير بما ينسجم مع حالته النفسيّة في ليلة القدر, كونها أفضل ليلة في سنة الإنسان وعامه, فهي الليلة التي سبقها الصيام وسبقها القيام وسبقتها الأشهر الحرم المباركة من شعبان الذي تتشعّب فيه الخيرات, ورجب الأصبّ الذي تصبّ الرحمة فيه صباً, فتكون النفس قد اكتست بأنواع الكمالات وفيوضات الرحمة والصفات الإلهيّة الجماليّة والكماليّة, فيأتي تقدير ليلة القدر متشكّلاً بهذه الخصائص ومنسجماً معها ومسانخاً لها, إنْ خيراً فخير وإن شراً فشر..

إنّ لحظة التقدير والفرقان تسمّى بليلة القدر, ولكن قد دلّت الأدلّة على أنّ هذه اللحظة التي تنشأ من الإبرام الإلهي ـ كن فيكون ـ تتنزّل بشكل تدريجي ضمن ثلاث ليال في عالم الكثرة والزمانيات, والسبب في إحياء ليال ثلاث, أو العشر الأواخر, أو الأيام المفردة من العشر الأخيرة من الشهر الفضيل هو طلب لدرك هذه الليلة المباركة, وتفاعلٌ مع تنزّلها التدريجي المبارك إلى عالم الكثرة, مضافاً إلى أنّ إحياء ثلاث ليالي متوالية سيورث النفس استعداداً خاصاً وتهيئة أعلى, كي يتكرّم الله على النفس بإفاضة الخير في هذه الليلة, فكما أنّ ليلة القدر ليلة واحدة ولحظة واحدة تتجلى في ليال ثلاث في عالم المادة والكثرة, كذلك النفس ـ الحاملة للاستعداد ـ فهي نفس واحدة في عالم التجرّد, وذات رتبة واحدة في عالم ذاتها, إلا أنّ بلوغ كمالها في عالم الكثرة يستغرق أيّاماً وليالي متعدّدة, لأجل ذلك لزم إحياء عدّة ليالي, كي تتنزّل ذات النفس في صفاتها وتثبت فيها حالاتها, فلا بدّ للإنسان أن يسعى سعيه ويبذل جهد في إحياء هذه الليالي كي تتبدّل نفسه وتتجرّد وتعلو وترتبط بعوالم الملكوت والولاية بشكل كامل, فيستحقّ التقدير الأرقى والفيض الأعلى من الله تعالى, لذلك ورد في بعض الروايات المباركة أنّ القدر الإلهي يبدأ ينعقد ويبرم في عالم الأسباب والمسببات من ليلة التاسع عشرة, وذلك تناسباً مع حركة النفس وتشكّلها وتجرّدها في النصف الآخر من شهر الله المبارك؛ فقد ورد عن إسحاق بن عمار قال: سمعت الإمام يقول: وناس يسألونه يقولون: الأرزاق تقسم ليلة النصف من شعبان، قال عليه السلام: فقال: لا والله ما ذاك إلا في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين, فإنّ في ليلة تسع عشرة يلتقى الجمعان, وفي ليلة إحدى وعشرين يفرق كلّ أمر حكيم, وفي ليلة ثلاث وعشرين يمضى ما أراد الله عز وجل من ذلك, و هي ليلة القدر التي قال الله عز وجل: {خير من ألف شهر} قال: قلت: ما معنى قوله: {يلتقى الجمعان}؟ قال: يجمع الله فيها ما أراد تقديمه وتأخيره وإرادته وقضائه، قال: قلت: فما معنى يمضيه في ثلاث وعشرين؟ قال: إنّه يفرقه في ليلة إحدى وعشرين, ويكون له فيه البداء فإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين إمضاء فيكون من المحتوم الذي لا يبدو له فيه تبارك وتعالى.

لذلك نلاحظ أنّ الأئمة الأطهار كانوا يتعمّدون تشويق المؤمنين لإحياء الليالي الثلاث, اللهم إلا من يعجز عن القيام بها جميعاً, حينئذ كانوا يحدّدونها بليلة الثالث والعشرين كونها أهمّ لحظات التقدير ورأس هرمه, ولا ينبغي ـ فقهيّاً وسلوكيّاً ـ أن نستفيد من هذه الروايات أنّ ليلة القدر هي خصوص ليلة الثالث والعشرين, بل هي لحظة واحدة تتنزّل في ليال ثلاث كما مرّ, وتعيين الإمام عليه السلام لليلة الثالث والعشرين بالنسبة لمن عجز عن إحياء الليالي الثلاث جمعاً, هو إشارة إلى ضرورة عدم تفويت الوقت الأقدس والأهم أي ليلة الثالث والعشرين, فهي رأس هرم هذا التجلي, ولا يعني ذلك عدم دخول ليلتا التاسع عشر والحادية والشعرين في تكوّنها وتقديرها المبارك, وعليه, فإنّ عمليّة التقدير تتجلّى في ليال ثلاث, بدء من ليلة التاسع عشرة حتى الثالثة والعشرين؛ فعن علي بن أبي حمزة الثمالي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له أبو بصير: جعلت فداك الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال: في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال: ما أيسر ليلتين فيما تطلب, قلت: فربما رأينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى فقال: ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها قلت: جعلت فداك ليلة ثلاث وعشرين ليلة الجهني [وهو شخص اسمه عبد الله بن أنيس الأنصاري] فقال : إنّ ذلك ليقال، قلت: جعلت فداك إن سليمان بن خالد روى في تسع عشرة يكتب وفد الحاج، فقال لي: يا أبا محمد! وفد الحاج يكتب في ليلة القدر والمنايا والبلايا والأرزاق وما يكون إلى مثلها في قابل, فاطلبها في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وصل في كل واحدة منهما مائة ركعة وأحيهما إن استطعت إلى النور واغتسل فيهما، قال: قلت : فإن لم أقدر على ذلك وأنا قائم؟ قال: فصل وأنت جالس، قلت: فإن لم أستطع؟ قال: فعلى فراشك، لا عليك أن تكتحل أول الليل بشيء من النوم, إن أبواب السماء تفتح في رمضان وتصفد الشياطين وتقبل أعمال المؤمنين; نِعمَ الشهر رمضان, كان يسمى على عهد رسول الله: المرزوق.

وعن محمد بن مسلم، عن أحدهما (أي الإمام الباقر أو الصادق عليهما السلام) قال: سألته عن علامة ليلة القدر فقال: علامتها أن تطيب ريحها, وإن كانت في برد دفئت وإن كانت في حر بردت، فطابت, قال: وسئل عن ليلة القدر فقال: تنزل فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يكون في أمر السنة وما يصيب العباد, وأمره عنده موقوف له وفيه المشيئة, فيقدّم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء ويمحو ويثبت وعنده أم الكتاب.

وعليه كانت حقيقة ليلة القدر هي رأس الهرم الزمني في حركة الإنسان خلال 354 يوماً التي تمرّ عليه طوال السنة, وعلى أساسها يثبت الله تعالى التجلي الأفعال والأحوالي للإنسان, فإن كانت حالته جيدة نورانيّة فسوف تكون سنته نورانيّة, وإن كانت حالته بائسة فسوف تكون حالته متعبة بائسة طوال السنة, وإن كان همّه السمعة والشهرة, فسيكون التقدير متناسباً مع ذلك! وإن كان همّه إعلاء كلمة العشيرة والقبيلة وإطاعة الهوى والنفس الأمارة والمال والرياسة والتسلط والاستعلاء, أو الشهوات وكسب الملذات والرفاهية, فسوف يكون التقدير الإلهي متناسباً مع ما يمكّنه من هذه الأمور, وسوف يحرم من تزكية النفس ومجاهدتها.

لذلك علينا أن نلتفت إلى أنّ حقيقة ليلة القدر أنّها ليلة تفرق فيها الأشياء, فكما أنّ القرآن قد نزل على قلب رسول الله في هذه الليلة المباركة, فكانت ليلة القدر الظرف المناسب لتجلّى كلام الله في قلب رسول الله بكامله, فإنّ عين ذلك يحصل بالنسبة لجميع الناس, فيتجلّى لهم ربّهم في هذه الليلة, وينزل عليهم كتابه ـ المتناسب مع أعمالهم ورتبة نفوسهم ـ فإن كان من أهل الدنيا, فسيكون إلهه الذي يتجلّى له هو هواه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكيلا}, وسيتجلّى له ربّه ـ هواه ـ في هذه الليلة عبر كتاب الهوى الذي سينزل على قلبه, يعني سيتجلّى له هواه في هذه الليلة.

كيف يكون هذا التجلي؟ يكون بالقدر.. أي يكون بتقدير القضاء والقدر إلى العام القادم, سيكون قضاؤه نفسانياً مملوءً بهوى النفس ومشبّعاً بهوى النفس, فسيكون كتابه الذي ينزل عليه مشوباً ومليئاً بهوى النفس.

فمن لم يجاهد نفسه ويقتلع جذور الهوى منها, سوف يبتلى بنزول كتاب خاص على قلبه, فالكتاب هو ما يقرأ على الإنسان من قبل السماء, وكتاب أهل الدنيا هو الحقيقة التي تقرأ عليهم من قبل الله تعالى المتناسبة مع أنفسهم ونفوسهم, فسيكون قرآن أهل الدنيا مليئاً بالمتشابهات والمنسوخات والعمومات العامّة دون تحديد حدودها!! يعني سوف يضيّع الحدود الإلهية! فسوف يعمل بالعام ويهمل الخاص, فيقع في مخالفة الإمام من حيث لا يدري..

سوف يقتلع الله من قلبه حالة التثبت, وسيتيقن بكلّ شيء دون إحساس وتأمل وفهم, سيصبح قطاعاً يقطع ويطمئنّ بكلّ ما يطرق سمعه دون تثبّت, سوف يصبح إمّعة!! فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه: (لا تكوننّ إمّعة! تقول: أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس!).

نعم, إنّ ليلة القدر هي ليلة إنزال القضاء والقدر وإبرامه, هي ليلة طباعة كتاب التجلي التكويني والتشريعي الخاص بكل إنسان, هي ليلة تجلي الولاية التكوينية والتشريعية, هي ليلة الختم على سجل القلوب والأسماع والأبصار إلى السنة القادمة..

فلا نضعنّ في نفوسنا وذواتنا وعقولنا وقلوبنا ومشاعرنا غير الذي يريده إمامنا صاحب الزمان أرواحنا فداه, فلنسلّم لتلك المشيئة الملكوتيّة التي يريدها هو سلام الله عليه لا نحن, فنفوّض الأمر له ونسلّم, ونقول في أعماق وجداننا: نحن نقبل بأيّة نتيجة حتى وإن كانت مخالفة لتوقّعنا.. نقبل بأيّة نتيجة حتى وإن كانت بعكس مشتهياتي وموقعيتي وشأنيتي.. أنا على استعداد تام يا سيدي أن أعتذر من عاملي وخادمي ومن أستاذي وتلميذي وابني وزوجتي وأخي وإخوتي.. يا صاحب الزمان! أنت العالم بالذي كان يجري وكيف وعلى أي أساس.. كي أكون كما تشاء وكما تحبّ روحي فداك..

على السالك في هذه الليلة أن يسعى إلى أن يكون صفراً أمام الله تعالى وأمام الإمام سلام الله عليه! فلنصفّر أنفسنا دائماً وخاصة في هذه الليلة.. ولنلغي شأنيّتنا بشكل كامل, لا نقولنّ: قد ولّى زمن الاشتباه وذهب زمان الشك والخطأ بالنسبة لي.. في هذه الليلة عليّ أن أكون صفراً في نفسي.. شعار هذه الليلة المباركة هو دعاء خليل الله إبراهيم سلام الله عليهم: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِني‏ رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين‏}, لأنّ الحق تعالى سينعكس في مرآة نفسي, فإن كان فيها أيّة معطيات أو أيّة معلومة أو مشيئة خاصّة أو أي شيء آخر, فسوف يتأثّر التجلي المرآتي الإلهي بهذه المعلومات, وستنعكس هذه الكثرات الدنيوية في كتابي النفسي الذي سيفاض عليّ, فلا تعود التنزّلات إلهيّة طاهرة مطهرة, ستصبح مشوبة بحالة الادعاء والشخصانيّة, وسوف تنعكس على وجودي وصفاتي وأفعالي وسنتي القادمة بشكل معاكس, فبدلاً من أن يكون التجلي الذاتي الإلهي غامراً لوجودي بشكل تام, ومعتمداً على الحقّ بشكل تام, سوف يصبح معتمداً على ذاتي وأنانيّتي وهواي, وبدلاً من أن يكون الحقّ تعالى هو الإله الذي سيتجلّى في نفسي وسأراه في وجودي وأتعرّف عليه, سوف يصبح إلهي هواي وكتابي الأنا, سينزل كتابي عليّ في ليلة القدر ولكن سيكون قرآني وديني هو الأنا: {الَّذينَ اتَّخَذُوا دينَهُمْ لَهْواً ولَعِبا}, وسأجعل القرآن عضين: {الَّذينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضين‏}, وبدلاً من أن تكون تجلياتي متكلة على الله تعالى, ومصداقاً لقوله صلّى الله عليه وآله: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً, ستصبح موكولة إلى الأنا والنفس والذات.

لذلك على السالك أن يصفّر نفسه في هذه الليلة, وينسى جميع شأنيته وذاته ويتعامل مع نفسه ـ أمام الله ـ وكأنّه طفل لا يعلم شيئاً, لا يحسب لذاته شيئاً, فلا يدعينّ مقام الاتصال والتجلي والفناء إن لم يكن واقعاً متصلا!! فيوكله الله إلى نفسه ويستدرجه من حيث لا يعلم ويملي له ليزداد إثماً, فعن ابن أبي يعفور  عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماماً من الله، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيباً.

ليلة القدر هي ليلة كسر الشأنية, وكسر الأنانية, وترك الاعتباريات كلّها, كي لا يأتي التجلي الإلهي مملوء بالاعتباريات والخواطر والخيالات والتهريج والتمريج!! ليلة القدر هي ليلة الرجوع إلى الثوابت, ليلة الرجوع إلى الركن الوثيق أرواحنا فداه, هي ليلة اللجوء إلى الكهف الحصين سلام الله عليهم أجمعين, هي ليلة التخلي عن الأفكار المغلوطة والنظريات الخاصة, هي ليلة الركون إلى المعصوم عليه السلام والثقلين, هي ليلة ترك المتشابه والعودة إلى المحكم, هي ليلة هجران الأنا المنسوخة والتحقّق بنورانية التنزّل الناسخ لحقيقة وجودنا, هذه النورانيّة التي تغيّر الأنا بوجود الإمام وتجليه سلام الله عليه, هي ليلة العروج من مقام القياس بالمعصوم إلى أعالى تنزيهه سلام الله عليه, هي ليلة إلغاء الاثنينية من رأسها والاتصال الدائم, فلا ترى غير المعصوم أصلا, فإن أمرك المعصوم بالعرض على الثقلين فلا تستنكف وتشعر بالاثنينية, لأنّ كلّ شيء منه وإليه وبه وفيه.

ليلة القدر هي ليلة ملاحظة الحاجة والعوز والفقر أمام الله, ليلة القدر هي ليلة الإحساس بأنّنا سواسية أمام الحقّ تعالى, فلنستشعر الرحمة والرأفة والعطف, ولنترك الشحناء والتهمة والتخيلات الباطلة, هي ليلة الوصال والتجاوز والستر والعفو وتأخير العقوبة والحلم والكرم... حينئذ سيتنزّل قرآن أعمالنا في هذه الليلة مكسوّاً بهذه الصفات الطاهرة المطهّرة, وسننعم بهذا التقدير إلى العام القادم.

ولا يخفى ارتباط ليلة القدر بليلة الخامس عشر من شعبان, ففي كلا الليلتين تقدّر الأعمال, غاية الأمر أنّ ليلة الثالث والعشرين والتي سمّيت بليلة القدر ـ بناء على أشهر الروايات ـ يفرق فيها كلّ أمر حكيم, فيصدر من مقام الذات والأحديّة, بينما في ليلة الخامس عشر من شعبان ترتبط هذه المقدّرات بالتنزّل الولائي لحقيقة الإمام عليه السلام, وتكتسب صفة البعد والقرب من حقيقة الولاية في مرحلة تجلّي الأحديّة في مقام الواحديّة في عالم الكثرة والبقاء, فتحمل بصمة السنخيّة, وتتشكّل بآثار الشاكلة الخاصّة للإمام سلام الله عليه, والملفت أنّ شهر شعبان يسبق شهر رمضان ممّا يعني أنّ التجلي الولائي يحصل ـ زمنياً في عالم الكثرة ـ بشكل سابق على التجلي التوحيدي الخالص الصرف, وهي دلالة على أنّ التجليّ التوحيدي والتنزّل التكويني الذي يحصل في ليلة القدر متقوّم بعلل قوامه المكتسبة من الوسيلة إلى الله تعالى والآية الكبرى والنّبأ العظيم أعني صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف, لأنّه من شرطها وشروطها, ولأنّ ولايته عجّل الله تعالى فرجه الشريف حصن الله, من دخله أمن من عذابه, فمع كون حقيقة التوحيد الذاتي لا زمان فيها ولا ربط لها بالتدريجيّات, إلا أنّ تجلّي هذه الحقيقة وتنزّلها في عالم الكثرة معلول لعلله الطوليّة والعرضيّة المتقوّمة بملكوت الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف. لذلك على الإنسان أن يشعر أنّه صفر أمام ذات المعصوم سلام الله عليه, ولا يخطرنّ على باله أنّه أَمامَ دهر الإمام شيء مذكوراً والعياذ بالله...

فليلة القدر هي ليلة التقدير الكامل والأتمّ والشامل: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ في‏ لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرينَ * فيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ}, لذلك كان دأب الأولياء رضوان الله عليهم أن يشمّروا عن سواعد الهمّة والجدّ والاجتهاد في هذه الليالي الثلاث المباركة, ومن الطبيعي أن تقرأ فيها جميع الأدعية والأذكار والمناجاة والصلوات والزيارات المأثورة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام.

ومن المهم جداً في هذه الليالي المراقبة الكاملة للنفس والتأمّل في حقيقة القضاء الإلهيّ الذي سينزل عليها وسيتجلّى فيها, فعلى الإنسان أن يتعامل مع هذه الساعات المعدودة بعين الخشية والخشوع والسكون والإحساس والشهود والشعور والتنبّه والفطنة واليقظة, وليكن شعار الإنسان في هذه الليالي التفكّر والتأمّل والمعرفة, فالعبادة من دون تفكّر لا تفيد ولا تبدّل جوهر الإنسان ولا تنير باطنه ولا تغيّر نفسه.

لذلك يؤكّد الأولياء رضوان الله عليهم ـ عملاً بأسرار وصايا أهل بيت العصمة عليهم السلام ـ بعدم الإكثار من المأكل والمشرب في هذه الليالي كي لا يصاب الإنسان بالتخمة المانعة من الإحياء والتفكّر والشعور بنفحات الله تعالى, وضرورة تقليل الكلام وعدم الخوض والتحدّث مع الآخرين في هذه الليالي, وترك الكلام بالشؤون المادية والأمور اليومية التي تتبدل كلّ لحظة وكلّ دقيقة, والتوجه التام إلى المبدأ الأعلى سبحانه وتعالى ووليه الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف.
عليك بها صرفاً وإن شئت مزجها           فعدلك عن ظَلمِ الحبيب هو الظّلم

(أي عليك بحقيقة التوحيد صرفاً, وإن شئت أن تتنزّل ولا بدّ فلا تتجاوز لعاب الحبيب ودعابته أي أهل البيت عليهم السلام)

وليغتسل الإنسان بعد الغروب, وليسع إلى أن البقاء خفيفاً نشيطاً, ولا مانع من أن يغفو قليلاً بعد الغروب كي يتقوّى على العبادة إلى الفجر ـ كما مرّ ذلك في رواية ـ , وليكن الإحياء جماعة لا فرادى إلا مع العذر, ولا ينبغي الاعتماد على المرئي والمسموع وصفحات الانترنيت والبث المباشر لإحياء هذه الليالي المباركة, بل على المؤمنين أن يتوجّهوا إلى المساجد القريبة منهم والأماكن العباديّة الطاهرة والمقامات الشريفة لينهلوا من بركاتها ونورانيّتها, كذلك ينبغي عدم إدخال أمور جانبيّة على ليلة القدر من شأنها أن تمحو هويّتها وتغيّر نورانيّتها وتبدّل حقيقتها, فعلى المؤمن أن يلتزم بما أثر عن أهل بيت العصمة عليهم السلام, ولا يزيدن على ما أورده الأولياء في كتبهم رضوان الله عليهم أجمعين, فأهل الدار أعرف وأدرى بما فيه.

وليعلم أنّ الاختلاف الفقهي في تحديد أوائل الشهور الشرعيّة سيما شهر رمضان المبارك, لا يؤثّر على الجانب الملكوتي لحقيقة ليلة القدر, فالولاية التكوينيّة لله تعالى غير منفصلة عن الولاية التشريعية والتكوينيّة لله عزّ وجل, وحينما يأمر الله تعالى باتباع الفقهاء, ويعطي لفتاواهم الحجيّة, ويضفي على أحكامهم الظاهريّة وفتاواهم الشرعية صفة المشروعيّة والقبول ووجوب الاتباع, فإنّه سبحانه هو الضامن للآثار الوضعيّة, فلا يفوّت الفرصة على المكلّف الذي لا حول له ولا قوّة, فمع عدم التزامنا بالتصويب الباطل ـ والذي يعني تبديل الحكم الظاهري إلى الواقعي ووضعه مكانه ثبوتاً ـ إلا أنّنا نلتزم بالتوفيق والرحمة الواسعة لله تعالى, وبسدّ النقص الحاصل بكرم الله ومنّته ورحمته التي لا حدّ له, بمعنى أنّه: حتى وإن لم نلتزم بتبدّل الحكم الواقعي وفقاً للحكم الظاهري, وحتّى وإن التزمنا بوجوب سعي الأمّة وفقهائها لبلوغ الحكم الواقعي دائماً, إلا أنّنا نؤمن ونعتقد جزماً بأنّ الله تعالى يمنّ على الأمّة والمكلّفين والمؤمنين ـ الذين أطاعوا واتبعوا السبيل الذي أمرهم الله به من تقليد الفقهاء والاعتماد على الحجج الظاهرية والبينات والأيامين ـ بالرحمة والعطاء والتوفيق. وتعميق ذلك أنّ عمليّة التجلي الإلهي في ليلة القدر ـ بما تعنيه من إبرام للقضاء الإلهي وفرقانه وإنزاله على قلب كلّ إنسان بشكل مباشر ـ هي عملية تكوينيّة, إلا أنّها تتأثّر بالأعمال والإحياء والابتهال والدعاء الذي يقوم به الإنسان في ليلة القدر, كذلك تتأثر بسجلّ أعماله السابقة إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً لأنّ آثار الأعمال السابقة تبقى في النفس بشكل مستمر ما لم يتب أو يغيّر ويجاهد نفسه, والله عزّ وجل قادر على أن يربط هذا التجلي التكويني الملكوتي بأي لحظة من لحظات عالم الزمان والتدريجيات, بل لكلّ أفق وقطر ومكان ليلته الخاصّة به ولحظته الخاصة به, وهو الذي يحصل جغرافياً بشكل دائم, فلو تأملنا في حركة الأرض الدائريّة, لعلمنا أنّه في كلّ لحظة تبدأ ليلة القدر عند أناس وتنتهي عند أناس آخرين حسب اختلاف آفاقهم, مما يعني أنّ تلك الحقيقة المتجرّدة تتنزّل على عالم الزمان بشكل تدريجي, وما دام الأمر كذلك فلله القدرة على أن يؤجّل ويؤخّر ويقدّر ويسرّع ويبدّل, ألا له الأمر والخلق تبارك الله أحسن الخالقين.

وعليه فلا ينبغي للخلاف الفقهي الظاهري أن يؤثّر  ـ بحال من الأحوال ـ على حقيقة تجلي الملكوت والباطن ـ ولا ينبغي للإنسان أن يفكّر في ذلك أصلاً, فبعد أن نعتمد على الحجّية الظاهريّة لفتوى المرجع, أو نعتمد على الرؤية الثابتة عبر البينة العادلة, نتوكّل على الله تعالى ولا نشكّك في توقيت ليلة القدر, علما أنّ الاحتياط بإحياء ستّ ليالي أمر جيّد ـ لا لأجل الاحتياط نفسه ـ بل لكونه مصداقاً لإحياء الليالي العشر الوارد استحبابها.

وأمّا مسألة اكتمال القمر ونقصانه فليس دليلاً شرعياً على بداية الشهور القمرية, وخاصّة أنّ الشهر القمري يعادل 28 يوم ونصف تقريباً, مما يعني أنّ منتصف الشهر القمري يحصل في ليلة الرابع عشر من كل شهر أي مساء الثالث عشر تقريباً, وليس في مساء الخامس عشر كما يتوهم العوام, وخفاء ذلك عن كثير من الناس يوقعهم في توهم أنّ بداية الشهر كانت قبل أوانها, وهو ليس صحيحاً. وعلى جميع الأحوال فلا بد من اعتماد الرؤية في إثبات بداية الشهور القمرية الشرعية, ولا يؤثّر ذلك على حقيقة ليلة القدر وبركاتها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نظرات

ارسال نظر

* فیلدهای ستاره دار حتما بایستی مقدار داشته باشند.