وتلك تِراتُ بدر!

وتلك تِراتُ بدر!

حيّا الحَيا عصرَ الشبابِ فإنّه
عصرٌ به طابت لنا اللذّاتُ (1)
والعيشُ في الدنيا كظِلّ ينقضي
لكنّما أعمالُنا مُحصاةُ
مِن بَعدِ أيّام الشبيبةِ شَيبةٌ
تأتي، ومِن بعدِ الحياةِ مَماتُ
يا صاحِ إنّ الشيبَ أبلغُ واعظٍ
جاءت به الأيّامُ والسنواتُ (2)
ما هذه الدنيا سوى عِبرٍ بها
لذوي العقولِ تجاربٌ وعِظاتُ
في كلِّ عصرٍ للضلالةِ والهدى
والنقصِ فيه وللكمالِ أداةُ
إنّ الخليلَ مع الكليمِ وأحمدٍ
وجميعُهم للعالمين هُداةُ
نُمرودُ فِرعَونٌ أبو جهلٍ معاً
وجميعُهم متمرّدون عُتاةُ
في كلِّ عصرٍ مُشبِهٌ لهمُ، وفي
كلٍّ لكلٍّ في السِّماتِ سماتُ
فانظرْ إلى زمنٍ تضمّنَ هاشماً
وأُميّةً، وعَرَتْهما النزعاتُ
حَسَدت أُميّةُ هاشماً فضلاً لها
والحاسدون فكم لهم آفاتُ (3)
وأتى ابنُ ميسونٍ يزيدٌ بالخَنا
تمضي له الأيّامُ والساعاتُ (4)
ونديمه قردٌ ومجلسُ لَهْوِهِ
تنتابُه الكاساتُ والطاساتُ (5)
يأتي من الفحشاء معتمداً بما
ليست تُطيق ببانَه الكلماتُ!
وأبوه ينظره ويعرف فِعلَهُ
لكنْ به عن فعلِه غَفَلاتُ
فيُقيمُه للمسلمين «خليفةً»!
خَسِرت بذلك مِنهمُ الصفقاتُ
إنّ الخلافةَ قد تسافَلَ أمرُها
فجِباهُها الغرّاءُ مُسْودّاتُ
مُذ أصبحت في غير صاحبِها غَدَتْ
تنتابُها الذُّؤبانُ والرخماتُ! (6)
* * *
آلُ النبيِّ همُ مصابيحُ الهدى
تُجلى بنورِ هُداهمُ الظُّلماتُ
جبهاتُهم بالنورِ تُشرق كلّما
قد أظْلَمت مِن غيرهم جَبهاتُ
طابت أُصولُهمُ فطِبنَ فروعُهم
وإذا زكا أصلٌ زكت ثمراتُ
لِعُلاهمُ تعنو العلى، ولمجدِهم
في العالمين تُطأطأُ الهاماتُ (7)
أجرُ الرسالةِ وُدُّهم، نزلَتْ بهِ
في الذِّكرِ مِن ربّ السما آياتُ (8)
هم عصبةٌ بِسِوى الصلاةِ عليهمُ
مِن مسلمٍ لا تُقبَل الصلواتُ (9)
الناطقون بكلِّ جمعٍ عندما
تهفو القلوبُ وتُخفِتُ الأصواتُ
يُصغى إلى أقوالِهم وندائِهم
فلِكلّ سمعٍ نحوَهم إنصاتُ
فخرُ المنابرِ ما رَقَوا مِن فوقِها
إلاّ وهزّتْها لهم نَشَواتُ
الطاعنون الضاربونَ إذا الوغى
شَبَّت وضمّتهم بها الهَبَواتُ (10)
القائلونَ الفاعلون العابِد
ونَ الزاهدونَ الخِيرةُ الساداتُ
المُنعِمون المُفضِلونَ الباذِلو
نَ الجُودَ إمّا تُجدِب السنواتُ (11)
* * *
لَمّا معاويةٌ مضى لمصيرِهِ
وتضمّنَتْه مقابرٌ ورُفاتُ
كان الحسينُ السِّبطُ واحدَ عصرِهِ
فيه صنوفُ الفضلِ مُجتمِعاتُ
رامَ ابنُ هندٍ أن يُبايعَه ونَفْـ
ـسُ أبي الشبولِ الذُّلَّ لا تقتاتُ
تأبى سجايا فيه مِن خيرِ الورى
ووصيِّه الكرّارِ موروثاتُ
إنّا لأهلُ البيتِ مُفتَتحٌ بنا
وبنا قضايا اللهِ مختوماتُ
نحن الأُلى فينا النبوّةُ أُنزِلتْ
وتنزّلت في فضلِنا السُّوَراتُ
ويزيدُ رِجسٌ فاسقٌ متجاهرٌ
بفُسوقِه، طاغٍ نَمَتْه طُغاةُ
هيهاتَ مِثْلي، لا يُبايعُ مِثْلَهُ
والنورُ ما قِبسَت به الظُّلماتُ
يا شارعاً نهجَ الإباء لكلِّ مَن
مِن بعدِه جاءت به الأوقاتُ
* * *
ومضى حسينٌ بعده لا ينثني
تحدو به نحوَ العراقِ حِداةُ (12)
جاءت له النُّصحاءُ عن هذا السُّرى
ينَهَونه، وتَحثُّهم شَفَقاتُ (13)
ما كنتُ أجهلُ ذا، ولا لكمُ بَدَت
أشياءُ عنّي هُنَّ مُخْفيّاتُ
لا أشتري ببماتِ عِزٍّ عيشةً
بمذلّةٍ، عيشُ الذليلِ مماتُ
لا أطلبنّ سوى الحياةِ هنيئةً
فالموتُ في ظِلّ السيوفِ حياةُ
خابت أُميّة لم يكن موتي سوى
موتٍ لها، فَلَقَد حَيِيتُ وماتوا
كم ميّتينَ حياتُهم طولَ المدى
بَقِيَت، وأحياءٌ همُ أمواتُ!
* * *
حَفَّت به مِن آلِ هاشمَ عصبةٌ
للمجدِ منها أشرَقَت جَبَهاتُ
وأكفُّهم للناسِ أبحرُ جودِها
ووجوهُهم بالخيرِ موسوماتُ
ناداهمُ أن ينصًُروهُ فأسرَعَتْ
لنداءِ نُصرتهِ بها الخُطُواتُ
ومضى بهم نحوَ العراقِ تُقلِّهُ
يمضي بعزمٍ لا تَرَدُّ شباتَهُ
بِيضُ، وليس له تُفَلّ شَباةُ(15)
بات الحسينُ وصَحُبه مِن حولِهِ
ولهم دَويُّ النحلِ لمّا باتوا
مِن رُكَّعٍ وسطّ الظلامِ وسُجَّدٍ
للهِ مِنهم تَكثُرالدَّعَواتُ
وتراءتِ الحُورُ الحسانُ، وزُيِّنَتْ
لِقُدومِهم بنعيمها الجنّاتُ
وبدا الصباحُ ولم تَنَم عينٌ لهم
كلاّ، ولا نابَتْهمُ غَفَواتُ
ودنَا ابنُ سعدٍ منهمُ بجيوشِهِ
راياتُه بالكفرِ معقوداتُ
نادَى: اشهَدوا أنّي لأوّلُ مَن رمى
جيشَ الحسينِ، وتابعَتْه رُماةُ
يبغي رِضى نسلِ البغايا مُغضِباً
ربَّ السما، فجزاؤُه الدَّرَكاتُ
فهناك أنصارُ الحسينِ تَسابقوا
للحربِ، قد صحّت لهم نيّاتُ
فكأنّ كلاًّ منهمُ ليثٌ بهِ
قَذَفَت إلى خَوضِ الوغى الغاباتُ
نَيفٌ وسبعونَ التَقّوا مَعْ عِدّةٍ
فيها الثلاثون الأُلوفُ طُغاةُ
كَرّوا على تلك الجموعِ ضراغماً
ولهم هنالك صَولةٌ وثَباتُ
حتّى أُبيدوا مُقْبِلين بواسلاً
لثغورِهِم تحت الوغى بَسَماتُ
وقَضَوا كراماً بعدما حَطَموا القَنا
وتثلَّمَت للماضياتِ ظُباتُ(16)
ولمجدِهم كُتِب الخلودُ، ودام في
أنفِ الزمانِ لذِكرِهم عبقاتُ
شَهِدَت لهم تلك الوقائعُ أنّهم
نُجُبٌ كرامٌ طيّبون سُراةُ(17)
وتسابقت مِن بَعدِهم مِن هاشمٍ
آسادُ حربٍ مُقْدِمون كُفاةُ
متقلّدين صوارماً، وكأنّها
مِن عزمِهم للحربِ مطبوعاتُ
لَبِسوا القلوبَ على المضاضةِ وهْيَ مِمْـ
ـما صاغه داودُ منسوجاتُ(18)
فقَضَوا بِجَنبِ العلقميِّ على ظَماً
للماءِ ما بُلَّت لهم غلاّتُ(19)
* * *
وغدا فريدُ الدهرِ فرداً بعدَهُم
كالنورِ قد حَفَّت به الظُّلماتُ
وبه العِدى مِن كلِّ صوبٍ أحدَقَت
وسيوفُها للحربِ مشحوذاتُ
نفسي الفداءُ لمُفرَدٍ دارت بهِ
عُصَبٌ طُغاةٌ مارقون جُفاةُ
يسطو على قلبِ الخميسِ بسيفِهِ
فيَفرّ منه القلبُ والجَنَباتُ
فكأنّه ليثٌ سطا، وكأنّهم
مِن خوفهم إذ يُهزَمون شِياتُ
ولسيفِه فيهم وقائعُ حيدرٍ
تُنسى الوقائعُ وهيَ مأثورات ؟!
أسَدٌ هِزَبْرٌ مالآساد الشَّرى
مِنه الثباتُ، ولالها الوثباتُ(20)
طَلَب البِرازَ فقَدَ كلَّ مُبارِزٍ
قَرْمٍ، وتلك لحيدرٍ عادات(21)
حملوا عليه، فعاد يحملُ فيهمُ
مِثلَ الحَمامِ سطت عليه بُزاةُ(22)
مَلأَت سهامُهمُ جوانبَ درعِهِ
وبه رماحُ القومِ مُشتَجِراتُ
فهوى على وجهِ الصعيدِ تُظِلُّهُ
في التُّربِ مِن شجرِ القَنا شجَراتُ!
وتَهابُه الشجعانُ وهو مُجَدَّلٌ
مُلقىً، وتَعروها لَه رَعَداتُ
تجري عليه الصافناتُ، فلَيتَها
عُقِرَت ولم تبلُغْ بها الغاياتُ(23)
تبكي لمصرعهِ الحطيمُ وزمزمٌ
ومِنىً، وتبكي قَتْلَه عَرَفاتُ
حتّى قضى ظامي الفؤادِ، وأُدرِكتْ
لِبني أُميّةَ في النبيِّ تِراثُ(24)
وغَدَت بسيفِ محمّدٍ في آلِهِ
مِن يومِ بدرٍ تُدرَك الثاراتُ
* * *
هذا جزاءُ محمّدٍ مِن أُمّة
لم تُرْعَ فيها للنبيِّ وُصاةُ
هذي جسومُ بَنيهِ مِن فوقِ الثَّرى
تَسفي عليها الريحُ، مطروحاتُ
ورؤوسُهم مِن فوقِ عاليةِ القنا
مِثْلُ النجومِ الشُّهبِ مرفوعاتُ
وخيامُه محروقةٌ، ورِحالُهُ
منهوبةٌ، في الناسِ مقسوماتٌ
ونساؤُه وبناتُه فوق المَطا
سبيُ الإما، لِيزيدَ مسبيّاتُ!
تلك العقائلُ لم تُشاهِدْ ظلَّها
تحدو بهنّ إلى الشّآمِ سُعاةُ
يا للَحميّةِ والإبا! ألأحمدٍ
تُسبى وتُؤسَرُ صِبيةٌ وبناتُ ؟!
آلُ البغايا شملُهم متجمّعٌ
والشملُ مِن آلِ النبيِّ شَتاتُ!
* * *
يا آلَ بيتِ محمّدٍ بولائِكُم
يُمحى الخَطا وتُضاعَفُ الحسَناتُ
وبغيرِ حبِّكمُ إذا جُمعَ الورى
يومَ الجَزا لا تُقبَلُ الطاعاتُ
حُبّي لكم ذُخري، وإنّ جوانحي
عُمرَ الزمانِ عليه مطويّاتُ
وإذا توسَّلْنا بِكُم فبفضلِكم
عن ربِّنا لا تُحجِبَ الدَّعواتُ
والسيّئاتُ إذَا التَقَت بشفاعةٍ
مِنكُم فَهُنّ لنا غداً حسناتُ(25)
*******************************************
الهوامش:
1. الحَيا: المطر.
2. يا صاحِ: يا صاحبي، الكلمة مرخّمة محذوفة الحرف الآخر.
3. يراجع في ذلك: المناقب والمثالب للقاضي النعمان المغربي:57 ـ 61، وشرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني 389:4، والكامل البهائي لعماد الدين الطبري 269:1.
4. بالخنا: بالفواحش.
5. يراجع على سبيل المثال لا الحصر: تاريخ الطبري 368:4، الطقطقا:45، مروج الذهب للمسعودي 67:3 ـ 81، أنساب الأشراف للبلاذري 301:4، الأخبار الموفقيّات للزبير بن بكّار:346، تذكرة خواصّ لسبط ابن الجوزي:64، الإمامة والسياسة للدينوري 167:1 ـ 170، تاريخ اليعقوبي 220:2 ـ 228...).
6. الذُّوبان: الذئاب، الرخمات: جمع رَخَمه، طائر من فضيلة النَّسْريات الجوارح.
7. الهامات: أعالي الرؤوس.
8. منها آية المودّة أو القُربى، قوله تعالى: «قُل لا أسألُكم عليهِ أَجْراً إلاَّ المَودّةَ
في القُربى » [ سورة الشورى:23 ].
9. فمَن ترك الصلاة عليهم صلوات الله عليهم في تشهّد صلاته فلا صلاة له بإجماع المسلمين.
10. الوغى: الحرب، الهبوات: عواصف الغبار.
11. الجَدْب: انقطاع المطر، والقحط.
12. حِداة: جمع حادٍ.
13. السُّرى: السير ليلاً.
14. النُّجُب: الخيول الجيّدة، الأُسد: الأسود.
15. الشَّباة: الفَرَس التي تقوم على رِجلَيها.
16. القَنا: الرماح، الظُّبات: السيوف.
17. السُّراة: سادات القوم وأصحاب المروءة والشرف والسخاء.
18. المُفاضة: الدرع الواسعة، داود النبيّ عليه السلام الذي علّمه الله تعالى صنعةَ لَبُوس، وقال عزّوجلّ فيه: «وأَلَنّا له الحديدَ» [سورة سبأ:10، 11]، وقال جلّ وعلا أيضاً: «وعَلَّمناه صنعةَ لَبوس لكم» [سورة الأنبياء:80] «أنِ أعمل سابغاتٍ وقدّرْ في السَّرْد».
19. الغُلّة: العطش.
20. الهِزَبَّر: الشديد الصلب.
21. القَرم: كبير القوم في الشخصيّة.
22. البُزاة: جمع البازي، طيرٌ من الجوارح.
23. الصافنات: الخيول، عُقِرت: قُطِعَت قوائمها.
24. تِرات: ثارات.
25. الدرّ النضيد في مراثي السبط الشهيد، جمع وترتيب: السيّد محسن الأمين:65 ـ 75.

السيّد محسن الأمين

نظرات

ارسال نظر

* فیلدهای ستاره دار حتما بایستی مقدار داشته باشند.